التعليم الأزهري ... ما له وما عليه

التعليم الأزهري ... ما له وما عليه

 

يضع الأزهريون لمؤسستهم العريقة عنوانا عريضا يصفها دوما بأنها "جامع وجامعة" واضعين أيديهم على السمات والصفات والقسمات العريضة التي حكمت مسيرتها عبر تاريخطويل، مفعم بالتفاعلات والممارسات التي انطلقت من التراث إلى المعاصرة، ومن الخاص إلى العام، ومن التجمع إلى المجتمع، ومن الدولة إلى العالم، ومن الدين إلى الدنيا، صانعة حولها نقاشا وجدلا عميقا عن علاقة علماء الدين بسياقهم الاجتماعي والسياسي، ودورهم في الاستجابة للتحديات الحياتية المتوالية والمتجددة، ومدى تعويل جموع المسلمين عليهم في أداء المهام الملقاة على عاتقهم، نظرا لأن الأزهر ليس مؤسسة محلية مصرية بل لسائر المسلمين فيها نصيب، سواء من خلال الاحتكاك المباشر، عبر بعثات تأتي إلى الأزهر من الدول الإسلامية قاطبة، وفي الاتجاه المضاد من خلال بعثات الأزهر إلى الخارج، ورابطة خريجي الأزهر، أو غير المباشر المتمثل في تأثير ما ينتجه الأزهريون من معارف دينية متنوعة.

ونظرا لأن الأزهر "الجامع" هو الأقدم، والضارب بعمق في جذور التاريخ، فإنه يلقي بحمولاته على الأزهر "الجامعة"، ليس فقط من زاوية المزاوجة بين علوم الدين وعلوم العصر الحديث، إنما أيضا من ناحية التقاليد والأعراف التي تحكم المسار التعليمي برمته، كما تهندس كثيرا من اللوائح، وشروط دخول هذه الجامعة، ونمط علاقتها بالجامعات المدنية في مصر وخارجها، ودور وموقع المشيخة في تسيير الجامعة، ترتيبا ومناهج وقرارات وعلاقات وتصورات ومدركات.

وكان أمام الأزهر في أغلب الأوقات ثلاثة خيارات، كان عليه أن يفاضل بينها أو يختار اثنين منها، وهي مسألة اختلفت من زمن إلى زمن، ومن نخبة أزهرية إلى أخرى. هذه الخيارات هي:

1 ـ الاستمرار في التركيز على علوم الدين، التي نشأت من تفسير وتأويل النص المؤسس للإسلام وهو القرآن الكريم، وكذلك النص النبوي متمثلا في "الحديث"، وتفاعل النصين مع الواقع الاجتماعي، وظهور ضرورة للرد على أتباع الديانات الأخرى، أو المشككين في الدين الإسلامي.

2 ـ المزاوجة بين علوم الدين وعلوم الدنيا، التي فرضتها التطورات، وتخصصت فيها جامعات مدنية، سواء كانت علوما إنسانية مثل الاجتماع والاقتصاد والسياسة وعلم النفس واللغة والتاريخ والجغرافيا والأنثروبولوجيا والآثار والإتصال، والعلوم البينية المرتبة على تفاعلها الخلاق. أو كانت العلوم الطبيعية من طب وهندسة وفيزياء وأحياء وكيمياء ورياضيات.

3 ـ عصرنة العلوم الدينية بحيث تستفيد من عطاءات العلوم الأخرى، والتطور الذي شهدته مناهج العلم في القرنين الأخيرين، بما يؤدي إلى تفكيك العديد من المقولات والتصورات التي يتعامل معها البعض، على أنها ذات قداسة بدرجات متفاوتة، رغم أنها منتج بشري. لم افهم هذا الخيار، وهناك اتفاق تام بين الأزهريين علي الخيار الأول، اقتناعا منهم جميعا بأن الدور الأساسي للأزهر هو العناية بعلوم الدين ورعايتها، لأن هذه هي المهمة الرئيسية التي علي الأزهر أن ينهض بها، ولأن صورة الأزهر في أذهان الناس انطبعت على هذا الأمر، بل إن كثيرين يلجأون إليه في سبيل القيام به على أفضل وجه ممكن.

في الوقت نفسه هناك خلاف بين الأزهريين على الخيار الثاني، لكن المختلفين ليسوا فريقين متساويين في الحجم، فقلة فقط هي التي تتمنى أن يتوقف الأزهر عن تدريس العلوم التي تنهض بها الجامعات المدنية، ويتفرغ للدراسات الدينية. وقد سوق هؤلاء لرغبتهم تلك بكثافة في مصر عقب إطاحة حكم جماعة "الإخوان المسلمين" حيث ظهر أن بعض طلاب الأزهر منتمين إلى هذه الجماعة أو متعاطفين معها. وحجة أتباع هذا الفريق أن انشغال الأزهر بغير العلوم الدينية أثر على اختصاصه الأساسي، فلا هو تقدم بعلوم الدين إلى المستوى المطلوب حاليا، ولا قدم إسهاما في علوم الدنيا يساوي ذلك الذي حققته الجامعات الأخرى، وزادت حجة هؤلاء من ظهور مهنيين وطلاب دراسات عليا منتمين إلى جماعات وتنظيمات متطرفة من خريجي الأزهر.

لكن الأغلبية تتمسك باستمرار الوضع الحالي، وتقدم حجة في هذا هي أن الأزهريين، كعلماء دين، في حاجة ماسة إلى تحصيل الكثير من العلوم الأخرى المفيدة لهم في مهامهم، نظرا لأنها توسع مداركهم، وتعمق معارفهم. ويقول هؤلاء دوما: "نريد الطبيب والمهندس والكيمائي والمحاسب والصحافي والمحامي والمترجم الذي يعرف دينه، وهذا هو ما يتوفر في خريج كليات الأزهر، الذي يدرس علوم الدين إلى جانب تخصصه"، ويرد هؤلاء على قضية انتماء أزهرين إلى التنظيمات المتطرفة بقولهم: كثير من المتطرفين والإرهابيين تلقوا تعليمهم في جامعات مدنية.

أما الخيار الثالث، فيثير جدلا كبيرا في أوساط الأزهريين، بل إن من بيهم من ينظر إليه بعين الريبة، ويقول "نحن نأخذ بهذا الأمر بالفعل"، لكن الناقدين، بمن فيهم أزهريون، يرون أن الأزهر يتخفف من هذه المسألة إلى حد بعيد، وأنه لو طبق مناهج العلم الحديث، لاسيما في علوم اللغة وخاصة مقاربات الدلالة والأسلوبية واللسانيات، وكذلك عطاءات علمي الآثار والأنثرولوجيا، وعلم الاجتماع الديني والتاريخ ووسع مجال الأديان المقارنة، لتفككت الكثير من الرؤى والمقولات التي يتبناها.

في كل الأحوال فإن تبني أحد هذه الخيارات، أو المزاوجة بين اثنين منها، أو الجدل حول بعضها، يثبت، ولا ينفي، اللافتة التي يضعها الأزهر على صدره منذ زمن بعيد وهو أنه "جامع وجامعة".

وربما يتيح استعراض وتحليل الدور التاريخي للأزهر مدى سيطرة هذه الخيارات على المناقشات والجدل والأدوار وأنماط العلاقات التي حكمت تاريخه، ولهذا سأقسم هذه الورقة إلى قسمين رئيسيين على النحو التالي:

أولا: المسار التعليمي للأزهر، وأتناول فيه، وصفا وتحليلا، لأربع نقاط هي: الأزهر كجامع له دور تعليمي، ومرحلة تحوله إلى الجامعة، ووضعه بين تطوير التعليم وإصلاح الفكر، وكذلك دوره في خدمة المجتمع.

ثانيا: السياق السياسي ـ الاجتماعي الذي حكم مسار الأزهر جامعا وجامعة، وأتناول فيه، دور الأزهر في العصر الحديث، ثم خلال الفترة من 1952 إلى ثورة يناير 2011ـ، ومرحلة ما بعد الثورة إلى الآن.

ونتناول في الحلقات القادمة تفصيلا تلك المسارات.

التعليقات