طبخة الأرنب

طبخة الأرنب

تبدأ علاقات الحب عادة ونحن نحمل العديد من التوقعات دون الإعراب عنها، نتصور أن تلك الحالة من الانسجام والتوافق قد تستمر بدون أن تتغير.

لكن في بعض الحالات ومع مرور الوقت يختفي الحب، ويتحول إلى كراهية ورفض تام للشريك.

فجأة يضيق المنزل بمن كانت ترقص له الحياة وتضيء النجوم، يصبح وجوده عبئا، وصوته نشازا، وكلامه ثقيلا، ونراه أشعثا، ويتحول لهالة من الكآبة ومصدرا للملل، نشعر أحيانا بالرغبة في الابتعاد بشتى الطرق، نتصنع المرض، أو السفر لزيارة الأهل كنوع من الهروب.

من الصعوبة تحديد أسباب هذا الانقلاب في الأحاسيس، إلا أنه ثمة مواقف حياتية مختلفة يمكنها أن تضغط على زناد هذا الشعور.

وحالما تهب رياح الكراهية تُحدث خلل في التوازن، يصبح البيت في حالة ترقب نذير حرب باتت وشيكة تبدأ بالتراشق بالكلام.

قد يعرب في تلك الحالة أحد الطرفين عن رغبته في الانسحاب، لينهي بذلك مرحلة من المد والجزر في علاقة شهدت مواقف وذكريات جميلة تحولت دون سبب إلى كابوس لا يطاق مع مزيج من التوتر والتحفز تجاه أقل الأخطاء التي كان يمكن ابتلاعها فيما مضى، فيصير كل منهما يتربص للآخر ويتصيد له الزلات.

البعض قد يكون مازال في حالة الحب يتأثر حزنا وينعزل كرد فعل تجاه رفض الآخر وتغيره،  ويبيت متسائلا عن تقصيره، وعن عيوبه، لماذا لم يجني مقابل ما منحه من محبة وتفاني، لماذا كان جزاء الإحسان نكران العطاء؟

في خضم تلك التسؤلات التي لا إجابة لها، يصيب القلب نوعا من التبلد، التوقف عن الشغف فتور كل شيء، اللامبالاة تجاه كل المباهج التي كانت مصدرا للإثارة والحركة فيما مضى، تنشأ حالة من الصمت والانزواء، أو قد يبحث أحد طرفي العلاقة عن البديل، وهنا تنفجر القنبلة الموقوتة في وجه الطرفين.

يشبه الأمر تسلل حشرة من عقب الباب تدس سمها في زوايا المنزل فتقلب كيان الحب رأسا على عقب، فتسحق جذور الوصل وتستفيق في القلب رغبة من نوع جديد، رغبة الخلاص، أو الانتقام.

فهذا الذي ابتعد لم يعد يؤمن بما بذلناه، لقد خان وذهب إلى مرافىء أخرى، لم تعد تكفيه المساحات الواسعة التي منحناه، لم تعد ترضيه كل الهبات التي نعطيها، ويتحول كل ما يعجبه إلى أشياء قبيحة لا يريد أن يصادفها.

تتعرض الروح لشرخ عميق، ويتأهب الطرف المهزوم لاسترجاع كرامة أُهدرت، فإما يكتفي بالصمت والانسحاب، أو يكون الانتقام،فعندما نخدع نتألم بشدّة، ويتمدد الألم في كياننا ويتفرع كأذرعة أخطبوط.

والحقيقة التي لا مفر منها لقد تقوس ظهر الحياة ، وتكسّرت الأطراف، ولن تُجدي كل محاولات الإصلاح والترميم.

في عام 1988، عرضت شاشات السينما العالمية فيلم "علاقة خطرة" للنجم مايكل دوجلاس، الذي بنى علاقة غرامية مع النجمة جلين كلاوز، وحين قرر دوجلاس أن يهجر تلك العلاقة الخطرة، تبدأ كلاوز التي تقوم بدور أليكس في التفكير في كيفية الانتقام منه، وفي أحد المشاهد تتسلل إلى بيت دوجلاس وتلتقط أرنب العائلة وتضعه في وعاء على النار، ليغلي حتى الموت.

منذ ذلك الوقت، أدخل مصطلح "طبخة الأرنب" إلى قاموس علماء النفس الذين يحللون طرق الانتقام بين العشاق حينما يقرر أحدهما هجر الآخر.

مشاعر الغيرة واليأس تقود الشركاء إلى الجنون الذي يقود إلى التدمير أو القتل، في لحظة غضب أو جنون يقدم أحدهما على إيذاء الآخر أو التشهير به أو قتله من دون أن يأبه لما سيؤول إليه مصيره.

العشاق القتلة هم في الغالب ضعفاء مخدوعين بغير ما كانوا يتوقعون من شركاء حياتهم، فهذا زوج قد أقنع زوجته بحبه لكن مشاعره تغيرت وأحب امرأة أخرى، وهذه زوجة اكتشفت بعد زواجها أن طباع زوجها ليست هي ما كانت تتمناه، والنتيجة مأساة عائلية واجتماعية.

البعض يشعر بإهانة من تغير الشريك فينجرف نحو تيار الغضب، ويتضمن الغضب رعونة وأفعالا متهورة كثيرة غير محسوبة، البعض يلجأ إلى التشهير محطما مستقبل الآخر، فكم قصة سمعناها عن رجل أو امرأة يلجأ لفضح علاقتهما السرية أمام الملأ؟

في الحقيقة الانتقام لا يريح فاعله، إنما يزيد من اشتعال النيران، ويقضي على أي فرصة للتصالح وعودة المياه إلى مجاريها، بل أن الانتقام قد يزيد ألم المنتقم.

وعلى الرغم من بشاعة الانتقام، لكنه ينبع من إحساس داخلي بإحلال فكرة العدل ووجوب معاقبة "الحبيب" الذي أساء، لكن الحكمة تقودنا نحو اللامبالاة..

"اللامبالاة" في تلك الحالة هي السلاح الأقوى للانتقام، فإذا كنت تحب فعلا وهجرك حبيبك لأي سبب، كف عن الغضب لأنه قد يؤذيك أولا، تمهل واصبر، تروى وادرس خطواتك جيدا، ولا تتصرف بانحطاط وبأساليب رخيصة، كن نبيلا حتى في لحظات إسدال الستار.

وحتى لا تخسر على المدى الطويل، اللامبالاة والانسحاب هما أقوى انتقام لمن خذلك، الابتعاد هو الذي سيمنحك نشوة الضحك والانتصار عندما يشعر الآخر بأن حياتك لم تتأثر بخروجه منها، بل سيأتي إليك نادما، وفي يدك القرار.

التعليقات