الندية المفتقدة في زيارة بابا الفاتيكان

الندية المفتقدة في زيارة بابا الفاتيكان

تابعت باهتمام بالغ، التمهيد الإعلامي الذي سبق زيارة بابا الفاتيكان، ثم تابعت الزيارة نفسها بنفس الاهتمام أو ربما يزيد، ثم واصلت متابعة ردود الأفعال بعد انتهاء الزيارة، فشعرت بغيرة شديدة، ألا يكون لرموز بلدي مثل هذه المكانة، حتى ولو كانت مكانة محلية فقط.

وحتى تبدو الأمور واضحة للجميع، فلسنا بصدد مناقشة الأبعاد التنظيمية للزيارة، فكما يقولون (بعد العيد ما يتفتلش الكعك)، ولكن الكعك الذي نحن بصدد فتله الآن، هو ذاك (الفتي) الإعلامي القائم على نظرية الهيصة والتهليل والصوت العالي، من غير قراءة متعمقة للمشهد ولا حتى الوقوف على الأبعاد التاريخية والأيدلوجية، ولا قياس حسابات النتائج.

الزيارة وقد تم التخطيط لها بشكل جيد وفي إطار جيد وفق محاور أراها جيدة أيضا، إلا أن إعلامنا الهمام تغاضى عن كل هذه الأشياء الجيدة وركز كل اهتمامه على شخص البابا فرانسيس.

لست بالطبع ضد الترحيب بالضيف، وهو بلا شك ضيف كبير جدير بأن يرحب به، لكن المبالغة الإعلامية في الترحيب، وضعت أمامي بعض علامات الاستفهام التي مازلت أبحث لها عن إجابات مقنعة.. لكن دون فائدة.

علامة الاستفهام الأولى، هي أن الإعلام بتطبيله المبالغ فيه للزائر، جعل منه دون أن يشعر الشخصية الدينية الأولى في العالم.

وبغض النظر عن كون هذا الافتراض غير صحيح، لكن الأولى بتقديمه في هذا النقاش، هو ماذا عن شخصياتنا الدينية؟

لن أتحدث عن شيخ الأزهر ولا عن أحد من علماء المسلمين، إذ ليس في الإسلام قداسات روحية، إنما هو فقط توقير وتوجيب العلماء، لكن حديثي سوف يكون عن قداسة الأنبا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية ، هل لو زار أي بلد أوروبي سوف يقابل بكل هذا الاحتفاء؟ (مرة أخرى لست ضد الاحتفاء، ولكنني فقط ضد المبالغة فيه)، مع العلم أن المنطق والتاريخ والجغرفيا والانتماء والهوية، كل ذلك يجعلنا نصر على أن مكانة بابا الإسكندرية أهم وأقدس وأعلى بكثير من مكانة بابا الفاتيكان.

فتاريخيا كنيستنا هي الأقدم، وهي الأصل الذي عنه انتقلت المسيحية لكل أوروبا، وجغرافيا المسيح عليه السلام شرقي المنشأ باركت أقدامه أرض مصر في رحلته إليها، وبالتالي، فإن الكنيسة القبطية المصرية إن لم تكن أولى بالقداسة فهي أقدم في القداسة، وكما نعرف فإن للسبق في الدين شأنه.

أما من حيث المنطق ومن حيث الانتماء والهوية، فلا أرى في نفسي كمصري ينتمي إلى تراب هذا البلد، إلا أن تدفعني نفسي دفعا نحو تقديم مكانة الكنيسة المصرية على غيرها.

ربما يقول قائل: ألست مسلما؟، فلما هذا التعصب للكنيسة المصرية؟ وما يضيرك أن تقدم هي أو غيرها؟

وأقول: نعم أنا مسلم، لكن هذا لا يتعارض مع كوني أيضا مصري، وأمر طبيعي أن أتعصب لكل ما ينبت من تراب هذا البلد، خاصة إن كان تعصبي هذا يوافق الحقائق والأسانيد التاريخية.

ثم لماذا لا أسعى ولا نسعى جميعا لأن تكون كل مؤسساتنا هي مقصد الآخرين، أليس فخرا لكل مسلم مصري لو كانت الكنيسة القبطية هي مرجع ومقصد كل مسيحي العالم؟، وفي المقابل أليس فخرا لكل مسيحي مصري أن يكون الأزهر الشريف، هو مرجعية المسلمين في العالم.

للأسف تضيع منا هذه المعاني بسبب بعض أصحاب الفكر السطحي الذين صدفة ارتقوا منابر إعلامية فلم يجيدوا فهم الواقع، واعتمدوا فقط على الصياح وملئ الفراغ الفضائي بهرتلات فارغة، للأسف الشديد يتأثر بها قطاع ليس بقليل من عامة الناس، فيظيطون فيما ظاطوا هم فيه ويرددون ما رددوه.. ثم نسأل بعد ذلك أين رموزنا؟.

التعليقات