طبيعة الرجل

طبيعة الرجل

 

الرجولة ظلت حتى وقت قريب تحمل طابعا يلزم صاحبه بإتباع أسلوب خاص في حياته حتى يبقى جديرا بهذا الوصف أمام الناس.

وكانت الأسرة حريصة على أن تزرع هذا الغرس لدى النشء منذ نعومة أظفاره فيشب متعطشا لحمل هذا اللقب وتتوق نفسه إلى يوم يخط فيه شاربه حتى يخلع عليه رسميا لقب رجل، واستعجالا في تحقيق هذا الحلم، كان الأطفال يبكرون بتقليد تصرفات الرجال وأفعالهم في البيت والمدرسة والشارع حتى أثناء اللعب وفي طريقة الكلام، الأمر الذي كان سببا في التعجيل بالرجولة في ذاك الزمن، فكان الواحد منهم لم يتخطى الخامسة عشر من عمره، لكنه كان مع ذلك رجلا كامل الرجولة وفتى كامل الفتوة وعقلا إن ارتكنت إليه لا يخيب ظنك به، إلى أن بدأ هذا المفهوم يتلاشى وتتلاشى معه قيمة الرجولة ومدى إحساس الناس برجولتهم وبقيمة مردود الرجولة لديهم، فإذا بسن الرجولة يتأخر شيئا فشيئا وربما يظل مفتقدا إلى ما بعد السبعين، ثم تنشأ أجيال لا ترى مثلما كانت الأجيال التي قبلها ما يحفزها ولا ما يدعوها إلى تقليد ما يفعله الرجال لأنها ببساطة لم تعد ترى في ذلك أي ميزه تذكر بعد أن تساوت أفعال الرجال مع أفعال الصغار وبعد أن تصابا الكبار فأصبح الجميع في الطفولة سواء.

هذه هي مأساة الرجولة في زمن أصبحت فيه عملة نادرة يصعب الحصول عليها لأنها ببساطة فقد المدد الرئيسي لها والمتمثل في اقتداء الأطفال بمن حولهم من الرجال وكيف يقتدون بنوعية من الرجال لا يمتون إلى الرجولة بأي صلة، حيث لم تعد الأعمار مقسمة إلى رجال وأطفال كما كان الحال من قبل وإنما أصبح التقسيم الذي ينتظمون تحته ( كبار وصغار ) هذا التقسيم الذي جعلهم جميعا يحملون أوصفا تغلفها التفاهة والسذاجة و( المعيلة ) التي ضاعت في ظلها الهيبة والوقار

وماتت الخشونة والبأس.

كل هذه التحولات تحتم علينا إعادة النظر إلى طرق التفكير السائدة وكذلك في معايير حكمنا على الناس بعد أن أصبحت هذه المعايير مقتصرة على خفة الظل وقصة الشعر بل تتعدى ذلك أحيانا إلى الإلمام بأحدث النكات والقدرة على الرقص و ( الهلس والمسخرة ).

وبذلك فإن المشكلة من وجهة نظري ليست في البحث عن حلول لمشاكل الرجال الذين لم يعودوا رجالا ولكن المشكلة الحقيقية في الأطفال الذين نريدهم رجالا، كيف سيصبحون رجالا في وليس أمامهم سوى هذه النوعية الهزيلة من الرجال؟ وممن إذن سوف يرثون أخلاق الرجولة؟ وهي مفتقدة حتى عند أهلها .. أعتقد أن هذا الجيل في أمس الحاجة إلى شخصيات تاريخية يستمدون منها قدوتهم و أخلاقهم ونهجهم في الحياة بعيدا عن تفاهات الواقع الذي يعيشونه، وتلك أمانة البقية الباقية من الرجال المخلصين.          

التعليقات