حادثة الجونلة

حادثة الجونلة

منذ أن تمزقت الجونلة، وانفكت خيوط نسيجها، حدث ما يشبه المظاهرة في الشارع. فالوميض الأبيض الذي بَرَق عند تباعد قطعتيّ القماش عن بعضهما جذب العشرات من أزواج العيون المتلهفة التي تصادف وجودها في الشارع العريض.

صاحبة الجونلة ليست صغيرة السن، كما أنها ليست كبيرة أيضا. إنها في تلك السن التي تكون فيها المرأة كأنضج ما يكون. بشرتها ناعمة مشدودة، وعضلاتها مكتملة صلبة. رفيقتها أيضا كانت في نفس السن، بل إنها تشبهها كثيرا، حتى أنها ترتدى مثلها بلوزة بسيطة وأنيقة وجونلة طويلة تصل إلى ما قبل الحذاء بقليل. أما الحذاء نفسه فهو دقيق أسود بكعب واطئ لأن قامتهما لا تحتاج إلى المزيد من الطول. أما ملامحهما فكانت رقيقة وراقية، تشي بأرستقراطية قديمة أو أصل أجنبي.

لا يعرف أحد الظروف التي تمزقت فيها الجونلة، لكنها الآن مشقوقة من أسفل إلى أعلى، وصاحبتها تضغط قطعتيّ القماش معا بيدها الممدودة حتى ركبتها، وتسير متعجلة كي تنهى هذا الموقف بسرعة، فبدا شكلها غريبا وهي سائرة وأحد كتفيها أعلى من الآخر، بينما صديقتها تسير بجوارها من ناحية الجزء الممزق من الجونلة محاولة أن تغطي عليها.

لو كانت الجونلة قد تمزقت في وقت آخر لمرّ الأمر مرور الكرام. لكنها تمزقت وقت خروج الطلبة من مدارسهم. فصارت هناك جمهرة صغيرة تسير إلى جوار السيدة من ناحية الجزء الممزق من الجونلة، وبنفس سرعة سيرها، بينما العيون ترتشف الوميض الأبيض الذي يظهر بشكل دوري مع كل خطوة.

كانت السيدتان تسيران على الرصيف الأوسط للشارع العريض في طريقهما إلى الميدان ذي النافورة، بينما كانت الجماهير تسير على الرصيف المواجه لفتحة الجونلة، بينما بعض ذوي الجرأة من قادة المظاهرة يسيرون بالقرب منها على نفس الرصيف الأوسط. فجأة غيرت السيدة اتجاهها إلى الاتجاه المعاكس لتواجه الجماهير بالجزء السليم من الجونلة، لكن هذا أدى إلى قيام أعداد متزايدة من الجماهير بعبور الشارع إلى الرصيف الآخر ليحتفظوا بخط التماس مع الجزء الممزق.

وللتجمهرات خصائص هي الأخرى، فأي تجمهر يكون كالمغناطيس يجذب باستمرار المزيد من برادة الحديد، حتى أن بعض الطالبات انضممن إلى القافلة أيضا! وقد ظن بعض كبار السن من هواة قضاء الوقت في الشرفات أن زمن المظاهرات قد عاد مرة أخرى، وأن بريطانيا العظمى قررت العودة إلى احتلال البلاد. أما النسوة من هواة مراقبة الشارع من خلف خصاص الشيش فاعتقدن أنها مشاجرة أخرى كالتي حدثت الأسبوع الماضي بين طلاب مدرستين، وانخرط فيها شباب مرهف الحس مستخدمين السنج والمطاوى والجنازير وأسلحة أخرى لا يعرف أحد اسمها، والسبب طبعا هو التنافس على حب فتاة من مدرسة أخرى.

لهذا فإنه يمكن تلخيص مثل هذه التظاهرات الشوارعية في عبارة واحدة هي "فتش عن المرأة". والمرأة هنا لم يعد من الممكن رؤيتها من أي اتجاه، فقد اختفت تماما وسط الجماهير الغفيرة.

انضم إلى التظاهرة تلاميذ المدرسة الإعدادية الذين خرجوا متأخرين في ذلك اليوم، وابتلعت المظاهرة الجميع داخلها، حتى أن أكثر الموجودين لم يعرفوا لِمَ هم هنا ولم كل هذا الزحام. أما المرور فقد أصيب بشلل تام وانطلقت أبواق السيارات كصراخ الجنود وقت المعركة، وهبت رياح خماسينية فجائية مزعجة، والتصق التراب بشعر الفتيات فشعرن بالضيق والحزن لأنهن سيضطررن للذهاب إلى مصفف الشعر مرة أخرى.

ازدادت سرعة الرياح المتربة وصار الجو لا يطاق وانخفض عدد السائلين عن سبب المظاهرة، وبدا أن أحدا لا يعرف ماذا يحدث. مضى بعض الوقت حتى بدأ الجمع ينفض شيئا فشيئا، وبدأ كل شيء يعود إلى طبيعته. كانت السيدتان قد اختفتا تماما ولم يعرف أحد أين ذهبتا أو ماذا جرى لهما. فقط ظلت الذكرى المبهمة الأولى في ذهن أولئك الذين شهدوا القصة من أولها، والذين لم يبح أحد منهم بعد ذلك بما حدث. ومع مرور الوقت نسوا هم أنفسهم كل ما يتعلق بالحادث. ولم يصمد في الذاكرة سوى الطيف الأبيض للساق المضيئة البضّة التي انكشف سرها، يراودهم من آن لآخر كحلم غريب في ليلة ربيعية باردة.

 

التعليقات