أمريكا وترامب والإسلام كعدو

أمريكا وترامب والإسلام كعدو

 

 
لم تنبع توجهات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب من فراغ بل تتأسس على ما تبنته الولايات المتحدة فى ربع القرن الأخير من سياسة تقوم على افتراض وهمى وخاطئ، وهو ضرورة أن تجد واشنطن عدوا تنازله بعد سقوط الاتحاد السوفيتى، حتى تتمكن من تسويق استراتيجياتها فى العالم، ولذا تعالت الصيحات التى تقول إن صراع الغرب بعد سقوط الشيوعية سيكون ضد الإسلام.

 

وقد عبر السيناتور دانى كويل نائب الرئيس الأمريكى الأسبق جورج بوش (الأب) عن ذلك بجلاء فى الكلمة التى ألقاها كويل فى مايو 1990 أمام خريجى الأكاديمية العسكرية الأمريكية واعتبر فيها أن العدو الوحيد المتبقى فى وجه الغرب هو الإسلام. ثم صنف الإسلام على أنه أيديولوجية معادية للغرب الليبرالى، ويشكل له التهديد نفسه الذى كانت تمثله النازية والشيوعية، فقد قال «لا يزال العالم مكانا خطرا، لقد أخذتنا الدهشة من هذا القرن المنصرم ببروز الشيوعية والنازية والأصولية الإسلامية».
 
وقد ردد كويل هذه الأقاويل مرة أخرى فى كلمته أمام مؤتمر السياسة السنوى الحادى والثلاثين للجنة الأمريكية ـ الإسرائيلية للشؤون العامة (ايباك) فى يونيو من عام 1990 نفسه. وفعل الرئيس جورج بوش (الابن) الشىء نفسه عقب حادث الحادى عشر من سبتمبر، حين تحدث عن «الأيديولوجيات المدمرة»، وشبه ما يعتقد فيه «الإسلاميون المتطرفون» بما كان يؤمن به النازيون والفاشست، وكرر العبارة نفسها قبل أسابيع حين تحدث عما أسماهم «الفاشيون الإسلاميون»، ما وجه بابا الفاتيكان نفسه إلى حديثه المغلوط المغرض وغير العلمى عن «الإسلام والعنف والعقل»، ليضع الدين مجددا فى خدمة المشروع الإمبراطورى الأمريكى، على غرار ما جرى إبان الحروب الصليبية، وأيام التوسع العثمانى فى أوروبا.
 
وفى الحقيقة فإن هذه الصورة المنطبعة فى الذهن الغربى عن العرب والإسلام ليست وليدة السنوات الأخيرة، بل ضرب بجذورها فى عمق تاريخى بعيد، فقد استمر وعى الغرب بصورة العربى موروث عن القرون الوسطى يقوم على أسس انفعالية مجبولة على العداء. وهذا الوعى المشوه واصل سيره حتى القرن العشرين، بتعديلات محدودة، ليساهم فى علاقة التبعية بين الدول العربية والغرب، مثلما ساهم فى حركة الاستعمار. وبالطبع فإن هذا التصور العدائى والمتحامل لا يمكن رده إلى الأفراد بل إلى المنظومة الحضارية الغربية برمتها، فى جوانبها السياسية والاجتماعية والإعلامية، والتى وجدت من سلوك بعض المتطرفين بيننا، خصوصا أتباع تنظيم القاعدة، مبررا لمواصلة التمسك بهذه التصورات.
 
ويعزى هذا الإدراك المشوه إلى جهل الغرب بالماضى والحاضر العربى. فباستثناء بعض المختصين الذين تكبدوا مشقة تعلم اللغة العربية والسفر مرارا إلى الوطن العربى والبحث عن المعلومات من مصادرها الأولى، فإن الغربيين قلما يعرفون واقع الوطن العربى. وعدم العودة إلى المصادر، أو تعمد التحيز، جعل وسائل الإعلام هى المنفذ الرئيسى، إن لم يكن الوحيد، فى تشكيل الصورة العربية ـ الإسلامية لدى الذهن الغربى. والإفراط فى الإعلام الحدثى يميل فى الغالب إلى تشويش الأفكار وخلط الأوراق والمسائل وحجب الرهانات، والرأى العام المضلل يلجأ إلى الأشياء المقولبة والأفكار المعلبة والصور النمطية والأحكام المسبقة، التى تقوم على تفسير واقع الوطن العربى بالأصولية والعنف والثروة النفطية ومعاداة الغرب والهجرة. وهذه القضايا تساهم فى تكريس الصورة القديمة للشرق فى إدراك الغرب على أنه مقاتل ومتعصب واستبدادى وشره للاستهلاك.
 
وبدا هذا التصور يشكل تيارا فى الغرب يؤمن بـ«صدام الحضارات» حسب تعبير صمويل هنتنجتون، الذى تحدث عما أسماها خطوط التقسيم بين الحضارات باعتبارها نقاط تفجر الصراعات فى المستقبل، وهى تحل فى نظره محل الحدود السياسية والأيديولوجية لحقبة الحرب الباردة، الأمر الذى يعنى حتمية المواجهة بين الحضارتين الإسلامية والغربية، وهو انعكس هذا على العديد من الأدبيات السياسية الغربية التى راحت تتحدث عن أن الإسلام هو الدين الوحيد الذى استمر فى مواجهة مع الغرب طيلة التاريخ.
 
لكن ذلك لم يمنع من تفهم بعض عناصر النخب السياسية والفكرية الغربية لطبيعة الدين الإسلامى، ووجود «أوجه متعددة للإسلام» على حد ما ذكره هرير دكمجيان وهو واحد من أكثر الباحثين الغربيين تعمقا فى دراسة ظاهرة الإحياء الإسلامى الحديثة، وكذلك وجود اختلاف بين المسلمين أنفسهم فى التوجهات السياسية والفكرية وفى نمط علاقتهم بالآخر، وخاصة الغرب. لكن صوت أصحاب هذه الرؤية لا يزال خافتا مقارنة بالمروجين لفكرة صدام الحضارات و«الإسلام العدو» الذين وجدوا مؤسسات تتبنى وجهة نظرهم المغلوطة، فى سبيل تحقيق أهداف سياسية معنية فى المحيط الخارجى، وذلك قبل أن يأتى ترامب بأكثر من ربع قرن.
التعليقات