لماذا لا تكون المرأة نبيا أو رسولا ؟

لماذا لا تكون المرأة نبيا أو رسولا ؟

تخيل أنك لو طرحت مثل هذا السؤال في جلسة من جلسات السمر مع الأصدقاء : لماذا لم يهب الله سبحانه وتعالى لامرأة واحدة النبوة أو الرسالة ؟

قطعا وحتما، ستسمع إجابات لا عد لها ولا حصر ، بعضها تقليدي وبعضها عقلاني ، وبعضها لا يخلو من كوميديا أو دعابة .

فهناك صديق قد يجيب بأن الحكمة الإلهية اقتضت ذلك نظرا لطبيعة المجتمعات التي لم تكن تقبل بذلك.

وثاني قد يقول أن الله يعلم قدرات الرجال وقدرات النساء .. وقدرة المرأة علي مواجهة الرجال أضعف.. ولأن الرسالات دائما تحتاج إلى أتباع ومقربين ، والمرأة تتهم قي أي رجل يقترب منها .

وقد يدخل صديق ثالث بإجابة تفيد أن كل المجتمعات اللي نزل عليها الرسالات كانت جاهلية ذكورية.. ومع أول إشاعة تفبرك ضد المرأة المختارة للنبوة أو الرسالة ستكون المشكلة كبيرة ومحاولة علاجها في غاية الصعوبة .

وقد يعلق آخر ساخرا : أمنا حواء خربتها من أولها .

، وهنا من الممكن أن يرد عليه صديق آخر بسخرية أكثر فجاجة وابتذالا : سجاح حاولت ، لكن مسيلمة وقفها عند حدها بطريقته !

أيا كان الأمر وأيا كانت الإجابات ، فالحقيقة التي لا يعلمها كثير من الناس أن آراء علماء الدين في المسألة قد اختلفت ،وبالتحديد في جزئية (النبوة) وليس الرسالة ،  ومن ثم لم تكن فكرة  قصر النبوة على الرجال من الأفكار المجمع عليها كما يتوهم البعض .

صحيح أن جمهور العلماء قد ذهب إلى عدم وقوع النبوة في المرأة، مستدلاً بقوله تعالى في سورة يوسف :" وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون" ، وكذلك آية الأنبياء :

 " وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" .

إلا أنه من العلماء الثقات من قال إن هناك نبيات من النساء على خلفية الفارق بين (الرسالة) وبين (النبوة ) ..

ذهب إلى ذلك كل من أبي الحسن الأشعري والقرطبي وابن حزم .. وهم يردون على من يحتج في مواجهتهم بالآيتين السابقتين ، اللتين تحصران الرسالة في الرجال دون النساء، قائلين: نحن لا نخالف في ذلك، فالرسالة للرجال، أما النبوة فلا يشملها النص القرآني.. وهم يرون أنه ليس في نبوة النساء مخاوف أو محاذير من تلك المعتبرة فيما لو كان من النساء رسول، لأن النبوة قد تكون قاصرة على صاحبها، يعمل بها، ولا يحتاج إلى أن يبلغها إلى الآخرين.

وعلى العموم فمن يقولون بنبوة النساء متفقون على نبوة مريم، ومنهم من ينسب النبوة إلى غيرها من النساء مثل: حواء وسارة وأم موسى وهاجر وآسية.

جاء في (فتح الباري) لابن حجر العسقلاني :

 " وقد نقل عن الأشعري أن من النساء من نبئ وهن ست : حواء وسارة وأم موسى وهاجر وآسية ومريم ، والضابط عنده أن من جاءه الملك عن الله بحكم من أمر أو نهي أو بإعلام مما سيأتي فهو نبي ، وقد ثبت مجيء الملك لهؤلاء بأمور شتى من ذلك من عند الله عز وجل ، ووقع التصريح بالإيحاء لبعضهن في القرآن"

 و يضيف ابن حجر : " ذكر ابن حزم في ( الملل والنحل ) أن هذه المسألة لم يحدث التنازع فيها إلا في عصره بقرطبة ، وحكى عنهم أقوالا ثالثها الوقف ، قال : وحجة المانعين قوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا قال : وهذا لا حجة فيه فإن أحدا لم يدع فيهن الرسالة ، وإنما الكلام في النبوة فقط . قال : وأصرح ما ورد في ذلك قصة مريم ، وفي قصة أم موسى ما يدل على ثبوت ذلك لها من مبادرتها بإلقاء ولدها في البحر بمجرد الوحي إليها بذلك ، قال : وقد قال الله تعالى بعد أن ذكر مريم والأنبياء بعدها أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين فدخلت في عمومه والله أعلم "

 

أما القرطبي فقد أثبت رأيه في المسألة في أكثر من موضع من تفسيره ، ففي تفسيره للآية " وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين" من سورة  آل عمران حيث يقول :

(والصحيح أن مريم نبية، لان الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحى إلى سائر النبيين حسب ما تقدم ويأتي بيانه أيضا في " مريم " .

وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها دلالة واضحة بل على صديقيتها وفضلها"

ويقول في تفسيره لسورة المائدة :

(وقد استدل من قال: إن مريم عليها السلام لم تكن نبية بقوله تعالى: " وأمه صديقة ".

قلت: وفيه نظر، فإنه يجوز أن تكون صديقة مع كونها نبية كإدريس عليه السلام"

والقرطبي هنا يشير على قوله تعالى في سورة مريم " واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديق نبيا " . ويرى أنه إنما قيل لها صديقة لكثرة تصديقها بآيات ربها وتصديقها ابنها عيسى فيما أخبرها به.

وإذا كان آراء هؤلاء العلماء والمفسرين له أدلتها ووجاهتها ، فرأي الجمهور القائل بعدم  نبوة النساء، له أيضا نفس القدر من الوجاهة وربما أكثر ، فالمتأمل في التوراة لا يجد خبرا واحدا يقول بوجود وحى للمرأة رغم أن أنبياء بني إسرائيل كانوا من الكثرة بمكان .

يعزز ذلك بقوة أنه لم  يأت نص قرآني قاطع على نبوة واحدة من النساء .

وأصحاب هذا الرأي يرون أن وحي الله إلى مريم أو أم موسى إلهام، وهذا يقع لغير الأنبياء، بل حدث مع النحل " وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون " .

وعندهم أنهم لو صح أن كل وحي هو في مضمونه نبوة ، لكان الحواريون أصحاب عيسى من الأنبياء : " وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا "

فالوحي في القرآن يأتي على أكثر من معنى، منها: أن يكون بالإلهام، كما جرى مع أم موسى وغيرها من النساء، وكما جرى مع الحواريين.

أما عن اصطفاء مريم ابنة عمران ، فالله قد صرح بأنه اصطفى غير الأنبياء ، ففي سورة فاطر : " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير" ، وفي آل عمران :

"إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين" .

ومن المعروف والمؤكد أن من آل إبراهيم وآل عمران من ليس بنبي أو رسول.

يتبقى أن أقول، إنني أميل إلى حسم المسألة بقوله تعالى: " الله أعلم حيث يجعل رسالته "، وأن المرأة كفاها شرفا بأنها هي من ولدت جميع الأنبياء .و حتى عيسى الفريد في مولده ،لولا أمه ما كان .

التعليقات