كغزالة شردت عن القطيع

كغزالة شردت عن القطيع

أنت لا تعلم بالضبط متى بدأت وحدتك. ولكن في يوم ما استيقظت من نومك، تشعر بالغربة وبالفراغ القاتل الذي أصبح يسكن بداخل كل خلية من خلاياك ويجري مع دماءك ويتوغل كل يوم أكثر.

أنت وحيد رغم أنك محاط بالكثيرين، تستيقظ صباحًا ناظرًا إلى السقف، تعتبره ورقة رسم بيضاء ترسم عليها ما تريد من خيالات وأحلام.. لعلها تتحقق، تنظر لوسادتك في صمت وتحتضنها وتبثها مشاعرك التي أقسمت ألا تعيشها إلا معها، لأنك تعلم جيدًا أنك ستستيقظ كل يوم لتجدها بجانبك على الأقل!

تتجلى وحدتك مساءً، عندما ينام الجميع، وتخفت الأضواء وتغلق الأبواب، فيبدأ حديث النفس للنفس الذي يستمر حتى مطلع الفجر ولا يقطعه سوى بعض النغمات الصادرة من هاتفك المحمول وربما بعض الجمل التي تكتبها لصديق ما على صندوق رسائل الفيسبوك.

تزداد وحدتك عندما تجد نفسك مضطرًا لشرح كل شيء مرارًا وتكرارًا حتى تُفهم، فالذي أصبحت تقوله لم يعد مفهومًا أو مقبولا.. فتجد نفسك تسأل سؤالا واحدًا كل يوم: متى سأتوقف عن الحديث معهم للأبد؟ متى سأفقد الأمل في أن يفهموا وأخرس تمامًا وأدخل كهفي للأبد؟

أنت وحيد كغزالة شردت عن القطيع، كنحلة ضلت سربها، كوردة مقطوفة من الشجرة، كعصفور عاد بعد رحلة طيران طويلة فلم يجد عشه في انتظاره، كصفحة مكتوب فيها أجمل أبيات الشعر ولكنها مقطوعة من الديوان وملقاة في الدرج بإهمال.

صادقت الموسيقى، والكلاب في الشوارع، والرمال وأمواج البحر.. صادقت الطاولات الفارغة في المقاهي وأكواب الشاي الصغيرة.. صادقت الأوراق والأقلام والكتب والدفاتر الملونة.. صادقت الجمادات وصدقت أنها في أحيان كثيرة قد تفهمك أكثر وقد تحتويك أكثر وقد تربت على كتفك وقت البكاء وقد تترك لك فرصة مساحةِ لا نهائية من البوح الصادق الجميل.

أنت وحيد، ولكن المطلوب منك أن تتظاهر طوال الوقت بأنك لست كذلك، أن تأكل وتشرب وتنام وتذهب للعمل وتخرج للزيارات العائلية وتتنزه مع الأصدقاء وتذهب للسينما وتضحك.. المطلوب منك كل يوم أن تلبس قناع "الوَنَس" الزائف الذي تعلم جيدًا بأنه ليس حقيقيًا. قناع الوَنَس الذي ترتديه كل يوم بعد الخروج من غرفتك والذي تجاهد يوميًا لتبقيه على وجهك رغم أنه يخنقك ويحرمك التنفس.. قناع الونس الذي يجعل الآخرين من حولك بخير، لا لشيء سوى لأنك تبدو أمامهم بخير!

أنت وحيد تماًما، وتعلم السبب جيدًا وتعرف أين ترياقك وأكسير حياتك الذي سينتشلك من هذه العزلة.. ولكن ترياقك مثل العَمَل، مدفونٌ في صندوقٍ صغير موصدٌ بألف قفل وملقي في شبه جزيرة تبعد عنك آلاف الكيلومترات، وأنت الآن لا تمتلك سوى حمار صغير مسكين لا يقوى على حملك إلا لنهاية شارعك.

التعليقات