أسود وبني

أسود وبني

عندما تزوَّجَتْه، كان لديه قميص أسْوَد وبُنّي.

لم يكن يرتدي هذا القميص في مرحلة الخطبة وما قبلها. لم ترَ هذا القميص مطلقا، لكنها فوجئت به معلقا في الدولاب بعد الزواج. القميص نصفه الأيمن بني اللون ونصفه الأيسر أسود، وهو واسع جدا بأزرار كبيرة وقماش ناعم يبدو كالبوليستر. كان كتلة من البشاعة. تعجبت كيف يمكن أن يكون لدى زوجها قميص كهذا. قميص لا يمكن أن يلبسه سوى العمال والحرفيين.

في إحدى الأمسيات قررا الذهاب لزيارة أهله. فوجئت به على الباب وقد ارتدى هذا القميص على بنطلون أسود. طلبت منه أن يغيّر القميص فهو يبدو غير مناسب، لكنه رفض، فهو قد ارتداه وانتهى الأمر ولن يعود لاختيار قميص آخر. ذَهَبَت معه وهو يرتدي هذا القميص البشع، وطوال الأمسية كانت تشعر بضيق شديد وبغصّة في حلقها.

بعد يومين قررا الذهاب لزيارة أهلها، ومرة أخرى فوجئت به وقد ارتدى القميص اياه. هذه المرة صمَّمَت على أن يغيِّر القميص عديم الذوق، فهي لا تتصوّر أن تسير معه وهو يرتدي قميصا كهذا. كاد الأمر ينتهي بمشاجرة بعد أن نهرها ووصفها بالتفاهة، لكن الأمر مرّ على خير بعد أن كتمت غيظها وامتنعت عن الرد عليه، وقد خرج معها بذات القميص.

جالسين في بيت أهلها كانت تغلي من الغيظ طوال الوقت، وقد ارتسمت علامة 111 على جبينها. كانت تتحاشى النظر ناحيته حتى لا ترى القميص، وقد لاحظت أمها ذلك وسألتها عما إذا كان هناك شيء ما خطأ فلم تجب.

شيء محرج جدا أن يلبس زوجكِ قميصا كهذا. ماذا سيقول عنكِ الناس؟ إذا كان هو لا يفهم في الذوق السليم فما دوركِ أنتِ في حياتِه؟ أليس من واجبِك تصحيح أشياء كهذه؟ إن هذا لشيء محرج حقا، شيء بالغ الإحراج، ليس أكثر حرجا منه سوى أن تسقط عن المرء ملابسه وهو في الشارع.

عندما ألقى زوجها القميص أخيرا في سَبَت الغسيل تعمّدت أن تحشره في قاع السَّبَت وألا تضعه في الغسالة. ظل هناك لما يقرب من أسبوعين حتى تذكّره وسأل عنه أخيرا.

كانت قد فكرت كثيرا في هذه اللحظة التي سيسأل فيها عن القميص ولِمَ لَمْ يتم غسله كل هذا الوقت. كانت قد خططت في ذهنها كثيرا للحظة المواجهة هذه التي ستخبره فيها أن عليه أن يتخلى عن هذا القميص، فليعطِه للبواب أو حتى فليلقِه في أقرب صندوق قمامة.

هي ليست قوية الشخصية، تهرب دائما من المواجهات أو تؤجلها قدر ما تستطيع، بل إنها يمكن أن تنهار وتبكي إذا زاد انفعالها على حد ما، لذا عندما أتت لحظة المواجهة أخيرا شعرت بدقات قلبها تتصاعد في أذنيها ولم تستطع أن تنفذ خططها الموضوعة مسبقا وفضلت الانسحاب، وكان أن وضعت القميص في الغسّالة مع إخوته من القمصان الأخرى عندما حان موعد الغسلة التالية، بل أنها قامت بكيِّه وتعليقه في الدولاب.

على أن هزيمتها في موقعة القميص قد أثرت على نفسيَّتِها كثيرا. ظلت لأيام تشعر أنها مقهورة وقد زاد كثيرا معدل إصابتها بالصداع، بل أنها أصيبت بطفح جلدي غطى بطنها وظهرها. تغيرت معاملتها لزوجها حتى صار فيها الكثير من الجفاء بينما لم يستطع هو أن يفهم ما الذي طرأ عليها وغيّرها بهذا الشكل.

ما زاد من حالتها سوءا هو أنها صارت تراه يلبس هذا القميص بانتظام. رغم أن لديه الكثير من القمصان إلا أن ذلك القميص الكريه هو أكثر ما يرتدي من بينهم. هل يتعمّد أن يغيظها، أم أن الأمر لا يشغل باله أصلا؟

ثم كان أن ألقى القميص الأسود والبني في الغسيل مرة أخرى، فانبرت مرة أخرى تعدّ عدّتها للمواجهة المؤجّلة. استثنت القميص من الغسيل وأخذت كعادتها تفكّر فيما ستقول وفي احتمالات ردّه المحتملة وكيف ستردّ عليها. فكرّت كثيرا وحسَبَت حساباتها كثيرا، لكن كلما اقترب موعد المواجهة المحتملة شعرت باضطراب. في النهاية اعترفت لنفسها أنها غير قادرة على المواجهة وإن فعلت فلن تربحها أبدا، ولهذا السبب أخرجت القميص من سبت الغسيل وألقت به في القمامة.

كانت قد فعلت ذلك بعد أن خرج ذاهبا إلى العمل في الصباح. حشرت القميص في كيس القمامة ثم أخرجته على السلم ليأخذه جامع القمامة عندما يأتي. لم يكن عليها بعد ذلك سوى أن تتظاهر بالغباء.

مضت عدة أيام ثم سأل زوجها عن قميصه الأثير فقالت أنها لم تره. أخذ يبحث في دولابه وعلى الشماعة وفي سبت الغسيل ولم يعثر له على أثر.

بعد عدة أيام نسى موضوع القميص ومرّ الأمر بسلام. عادت لها ثقتها بنفسها وتوقّفت نوبات الصداع، بل إنها صارت أكثر مرحا. ثم صارت هذه هي طريقتها في معالجة الأمور داخل البيت: لا تدخل في أية مواجهة لكنها مع ذلك تنفّذ ما تريد. نفس ما حدث للقميص الأسود والبني حدث بعد ذلك لقميص بشع آخر أخضر وأزرق، ثم لحذائه الرياضي القديم الذي يصدر رائحة كريهة، ولمجموعة من المجلات المتربة التي يحتفظ بها، ولصورة أمه التي يضعها تحت زجاج الكومود.

أحيانا تدّعي أنها لم ترَ الشيء المفقود، وأحيانا تلصق الأمر بإهمال الشغالة التي تأتي يومين في الأسبوع، وأحيانا تختلق قصة ما تقوم بتحضيرها مسبقا.

ولأن الرجال في معظمهم ضعيفو الملاحظة، فإنه لم يستطع أن يدرك حقيقة أن الأشياء التي تختفي هي دائما أشياء لا تعجب زوجته في الأساس.

هكذا انتهت مشكلة القميص الأسود والبني، وقد مضت الأمور على ما يرام منذ ذلك الحين.

التعليقات