الزهد والسياسة

الزهد والسياسة

 

يعد الزهد واحدا من الأعمدة الروحية لتصوف الأولياء لا الأدعياء، ومن ثم فهو يقع فى قلب التدين السليم، إذ من غير الممكن أن يوجد التسامى والتعفف إلا إذا فى رحاب الزهد، ولو بقليل منه. والزهد، الذى يعنى فى مجمله عدم إرادة الشىء وعدم قصده والانشغال به أو طلبه هو بمنزلة المعرفة والسلوك الضرورى الذى لا بد منه لمنع الإنسان من التحول إلى سلعة رخيصة.

وقد أورد القشيرى فى رسالته الشهيرة بعض التعريفات للزهد التى تفيد إيثار الانسحاب من الدنيا وأمورها مثل قوله: «الزهد هو سلو القلب عن الأسباب ونفض الأيدى عن الأملاك»، وهو «عزوف النفس عن الدنيا بلا تكلف» ويبلغ التقشف ذروته حينما يقول «لو كان الجوع يباع فى السوق لما كان ينبغى لطلاب الآخرة إذا دخلوا السوق أن يشتروا غيره».

وقد انتشر الزهد فى حياة المسلمين الأوائل بسبب السياسة،  فالخلافات التى نشبت بين الفرق الإسلامية والولاة الإسلاميين من جهة، والتفاوت الاجتماعى الذى حدث بعد انقضاء الخلافة الراشدة وازدادت حدته فى العصر العباسى من جهة ثانية، دفع بعض المسلمين للميل إلى التصوف والعزلة والزهد فى الدنيا وملذاتها.

والزهد يخلق قيما سياسية متعارضة بعضها سلبى وبعضها إيجابى، فالزهد فى الدنيا يتضمن الزهد فى السياسة باعتبارها ممارسة دنيوية وذلك مثل الموقف الذى اتخذه الشيخ عبد الوهاب الشعرانى، وهو واحد من الرموز الدينية المصرية فى زمن المماليك، من العمل السياسى إذ قال «مما أنعم الله به على حمايتى من أن أكون قاضيا أو حاكما أو شاهدا لخفاء أغلب القضايا على الناس من الحكام»، وذلك لأنه كان يعتبر أن باب القضاء والحكم بين الناس بالشريعة فضلا عن السياسة من أخطر الأمور.

ويبرر الشعرانى فى موقف آخر تجنبه للحكام قائلا «مما أنعم الله تعالى به على عدم وقوفى على حاكم إذا نازعنى فى بيتى أو فى النظر على زاويتى أو فى رزقى بل أترك ذلك له لأن الدنيا أهون عندى من أقف لأجلها على حاكم وأستحيى بحمد الله تعالى أن أكذب مسلما فيما يدعيه على منها، فأنا تساوت عندى الأماكن.. فمن نازعك فى دينك فنازعه ومن نازعك فى دنياك فألقها على نحره».

وفى هذا الشأن قال السرى السقطى وهو من كبار المتصوفة الأوائل: «إن الله تعالى سلب الدنيا عن أوليائه وحماها عن أصفيائه وأخرجها من قلوب أهل وداده لأنه لم يرضها لهم».

على هذا الأساس يكون الفقر هو طريق الزاهدين فهو أمر ضرورى إذا أراد السالك السير فى الطريق والوصول إلى منتهاه لأن المرء إذا شغل نفسه بزوج أو مسكن وملبس أو مال يكدسه ..الخ سيطرت هذه الأشياء المادية على ذهنه وحجبت نفسه عن الخير الحقيقى الثابت وهو الانشغال بالآخرة، إلا أن بعض العارفين يرون أن الزهد لا يعنى التجرد من الدنيا دائما، وإنما يعنى ألا تستعيد الدنيا الإنسان فلقد كان الكثير من رموز الدين  أغنياء يملكون الثروات ويتصرفون فيها كوكلاء لله عليها وكثيرا ما يدعون الله بأن يغنيهم ولا يكتفون بذلك بل يدعون أن يجعلهم ربهم سببا لغنى أوليائه .

على النقيض من ذلك فإن الزهد قد يخلف قيما سياسية إيجابية فى اتجاه الانخراط والمشاركة ومقاومة التسلط والفساد، فالزهد فى الماديات من ثروة أو منصب يعنى عدم الخضوع للسلطة التى تقوم بتوزيع الموارد والمناصب وتملك أدوات تضييق أرزاق معارضيها خاصة فى العالم الثالث، فالزاهد على هذا الأساس أكثر قدرة من غيره على المقاومة والتمرد ضد الطغيان لأنه مستغنى عن الشىء الذى يهيمن به السلطان على الناس، وفى هذا الشأن يقول الشيخ الشعرانى «لقد رزقنى الله تعالى القناعة فلو أنى وجدت كسرة يابسة قنعت بها، ومن كان كذلك لا يحتاج إلى مال السلطان».

لكن الباحث الفرنسى فرانسوا بورجا له رأى آخر فى هذه المسألة، إذ يرى أن الزهد يحرم كل عمل من التأثير والإيجابية نظرا لأن غرس الزهد القائم على اعتبار أن الدنيا بلاء مصبوب كأساس للتربية الحركية يجعل المسلم الملتزم فى جماعة يشعر بالضيق من الحياة فالرهبة من المعاصى تسيطر عليه والحرام يطارده فى كل مكان ولا يكاد يطمئن إلى عمل سوى الصلاة والذكر والاعتكاف وما شابه ذلك من شعائر وما عدا ذلك فهو بلاء أو طريق إلى بلاء وهذا المنطق التربوى لا يدفع فى نهايته إلى إبداع أو تفوق.

ومهما كان حجم التناقض فى الرؤى حول علاقة الزهد بالسياسة، فإن الزهد يقى من شرور كثيرة، فى مطلعها الانحطاط الروحى والتردى الأخلاقى. وضرورى للإنسان أن يعيش عزيز النفس، لا يقاد من بطنه أو فرجه إلى العبودية الرخيصة.

 

 

التعليقات