تأملات في أحاديث طاعة الإمام

تأملات في أحاديث طاعة الإمام

 

روى الإمام مسلم في صحيحه  أن النبي (ص) قال " ستكون هنات وهنات ( أي شرور وفسادات متتابعة ) فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان" ..

وهذا الحديث من الأحاديث المبرزة والمعتمدة عند أهل السنة والجماعة وغيرهم من الفرق الإسلامية في تحريم الخروج والثورة على الحاكم وآدائه السياسي ..

والغريب أن كثيرا ممن يرددونه ، ويبنون عليه كثيرا من النتائج ، لا يفكرون ولو لحظة  في الإجابة على التساؤلات المشروعة التي يثيرها مبنى هذا الحديث ومعناه .. فمثلا من يستطيع أن يقرر أن ما يحدث من معارضة سياسية للحاكم هو في مضمونه وجوهره تفريق لأمر الأمة؟ ولماذا لا يفترض أن نتعامل مع موقف كهذا بالحوار والنقاش السياسي بدلا من الاحتكام للسيف ؟ خاصة وأن اللجوء للسيف قد يكون سبيلا لاستحلال أرواح ودماء بغير حق أو مبرر من دين أو قانون أو دستور .

وهذا الحديث ليس وحده في هذا الشأن الحساس والخطير ، فهناك غيره أحاديث أخرى كثيرة في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث المشهورة ..

خذ عندك هذا الحديث الثاني الذي رواه أيضا الإمام مسلم عن حذيفة بن اليمان عن رسول الله قال : " يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس قلت : كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك ؟ قال : " تسمع وتطيع الأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع

تخيل الصورة كاملة !  فالحديث هنا يؤكد علي أناس لا يهتدون بهدي النبي ولا يستنون بسنته  قلوبهم قلوب الشياطين ، ومع ذلك فما عليك في النهاية إلا طاعة الحكام وإن ظلموا، و السمع والطاعة بعد الضرب علي الظهر وأخذ المال.

 في كتابه (منهاج السنة) يقول ابن تيمية حول هذا الحديث

"أن رسول الله (ص) قد أخبر أنه يقوم أئمة لا يهتدون بهديه ولا يستنون بسنته قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان الإنس وأمر مع هذا بالسمع والطاعة للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك ، فتبين أن الإمام الذي يطاع هو من كان له سلطان سواء كان عادلا أو ظالما " .

وفي موضع آخر من مجموع فتاويه ، يقرر ابن تيميه أن " الصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السنة والجماعة" .

ويقول الطحاوي : " ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا ، وإن جاروا ، ولا ندعوا عليهم ، ولا ننزع يداً من طاعتهم ، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة ، ما لم يأمروا بمعصية ، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة ".

وفي ذات السياق ينقل لنا ابن قتيبه في عيون الأخبار هذا القول للصحابي الكبير عبد الله بن مسعود :  "إذا كان الإمام عادلاً فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان جائراً فعليه الوزر وعليك الصبر ).

أما في (صحيح البخاري) فنقرأ هذا الحديث عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلي الله عليه وسلم قال :"من كره من أميره شيئا فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه، إلا مات ميتة جاهلية ".

وأخرج الإمام أحمد والبيهقي ، قول النبي (ص): " من أكرم سلطان الله أكرمه الله، ومن أهان سلطان الله أهانه الله ". والحقيقة أنني لا أجد لدي أي ذرة من اطمئنان لهذا التعبير أو المصطلح ( سلطان الله) ولا أدري من يمكنه أن يحدد من هو سلطان الله ومن هو سلطان غير الله !

والأحاديث والأقوال في تحريم الخروج والثورة على الإمام والحاكم كثيرة ، وحين تأملتها بهدوء وروية ، خرجت بتلك الأسئلة والملاحظات التي أوجزها فيما يلي :

_هل يعقل أن النبي (ص) الذي جاء لإقرار الحرية الإنسانية من خلال التوحيد والعبودية لله وحده ، تصدر عنه مثل هذه الأقوال التي تأمر بالاستسلام للذل والظلم والقهر ؟ هل من الممكن ان تكون الشريعة الخاتمة تأمر بذلك وتحكم بالجاهلية والمروق على من يرضخ لهذا الأمر ؟

2 _إذا كان مفهوما بالضرورة أن الظالم - أي ظالم- لو تيقن أنه سيجد في مواجهته معارضين وخارجين عليه مستنكرين لظلمه ،  لما جرأ علي الظلم أو تمادى فيه ، فكيف تتجاهل الشريعة كل ذلك ، بحيث تجعل الخروج علي الحاكم والثورة على ظلمه وفساده جريمة عقوبتها القتل  ، لأنه خروج علي طاعة من طاعته طاعة لله ورسوله  كما هو مقرر في الأحاديث.. لماذا تمنع الشريعة الناس من محاولتهم لإيجاد بدائل من خلال الثورة تنهى حكم الفساد والاستبداد والطغيان؟

3 _إذا كانت الأحاديث تفيد بأن من خرج على الحاكم مات ميتة جاهلية فهل معنى هذا أن الحسين بن علي حفيد النبي قد مات ميتة جاهلية حين خرج ثائرا ضد حكم يزيد بن معاوية ؟ وهل مات عبد الله بن زبير وأخاه مصعب بن الزبير ميتة جاهلية بسبب خروجهما على الحكم الأموي ؟

4  _مع التطور الذي شهدته الدنيا كلها في أشكال وأنظمة الحكم السياسية وتوزيع السلطات والفصل فيما بينها ، لنا أن نسأل ما هو مدى ملائمة نصوص ومعاني الأحاديث التي توجب طاعة الحاكم  لهذا التطور ، وكيف يمكن تطبيق ذلك في الدول المدنية الحديثة ذات الديمقراطيات العريقة ؟ مع العلم أن من يسلمون مطلقا بصحة تلك الأحاديث يسلمون في ذات الوقت بأبدية أحكامها على اعتبار أنها من أصول الشريعة الصالحة لكل زمان وكل مكان ؟

5 _أليس من السهل على أي حاكم في أي بلد مسلم ، أن يتخذ من تلك الأحاديث حجة و سندا شرعيا لتكفير المعارضين وتصفيتهم تحت زعم درأ الفتنة والتصدي لمحاولات التخريب وتفريق الأمة وتمزيق الشمل ونشر الفوضى و بلبلة المجتمع وهدم الدولة ؟

التعليقات