تجديد الخطاب الديني بين ضجيج المؤيدين وصخب الرافضين

تجديد الخطاب الديني بين ضجيج المؤيدين وصخب الرافضين
لا أعرف سببا لهذا اللغط المثار حول ما يسمى "تجديد الخطاب الديني"، هذا اللغط الذي وصل من جانب بعض المحافظين إلى حد الهلع من مجرد ذكر كلمة تجديد، ومن جانب بعض المجددين إلى حد الرغبة في  القفز على الثوابت.
والحقيقة لا أرى مبررا لهلع هؤلاء أو قفز ألئك، فالمتتبع لتاريخ الخطاب الديني، ليس في الإسلام وحده ولكن في كل الأديان، سوف يتأكد أنه يتجدد تلقائيا، وفقا لطبيعة العصر ولرتم الحياة ولأسلوب المعيشة.
أعلم أن الثوابت يجب أن تبقى كما هي، دون أن تتأثر بالتجديد، ولكن لماذا نفترض أن التجديد سوف ينال من الثوابت؟.
الحديث عن تجديد الخطاب الديني، وليس عن تجديد الدين، إذن فما دام الدين بعيدا عن عبث العابثين، فما الذي يضيرنا أن نجدد من لغتنا بما يحقق الصالح العام؟.
تأكيدا على ما أقول ومن حسن الطالع، أننا نملك تراثا ضخما من الخطب المدونة في كل العصور الإسلامية، منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم حتى عصرنا الحالي.
أتحدى أن يدعي أحدا ثبات لغة الخطاب في هذه العصور ، فالكتب المدونة تشهد على أن لكل عصر لغته وأسلوبه الخطابي الذي يتناسب معه.
ولقد كان الأمر دائما أبسط من ذلك بكثير، حيث كانت لغة الخطاب تتجدد تلقائيا دون ضجيج لمؤيدين أو صخب للرافضين، على عكس ما يحدث الآن.
ولعل هذا يثير تساؤلا غاية في الأهمية، مفادة لما كل هذه الضجة طالما أن المتبع تجدد تلقائي للخطاب الديني؟
أقول وبكل صراحة، عندما كان الخطاب الديني يتجدد تلقائيا، كان ذلك يحدث لأن شيوخ وأساتذة القائمين عليه في الأساس كانوا مصلحين مهمومين بإصلاح المجتمع ومخاطبته بما يحقق هذا الإصلاح، فلم يكن أحدهم بحاجة إلى من يذكره بأن الخطاب المتبع قد تجاوزه الزمان ولم يعد يصلح لمخاطبة الناس في هذا الوقت، بل ربما كان في سعيهم إلى التجديد تخوفهم أحيانا من انصراف الناس عنهم إلى ما يجرهم إلى هلكتهم، أو إلى الإضرار بالمجتمع.
وطالما أن شيوخ القائمين على الأمر قد انتهجوا منهج التجديد، فبالتالي ومن المؤكد أن عامة الخطباء والدعاة سوف يتبعونهم.
لكن ماذا لو كان المنوط بهم التجديد ليسوا أساسا مؤهلين لذلك؟، بالتأكيد سوف يتمسكون بما هم عليه لأنهم لا يملكون ملكة التجديد.. هذا بالنسبة للمتخوفين من التجديد.
وعلى الطرف الآخر، نجد بعض القافزين على فكرة التجديد بما يوحي لعامة المتدينين أن هناك رغبة في نسف ثوابت الدين.
ربما يكون لدي البعض أفكارا إصلاحية، وهذا شيء محترم جدا ومقدر جدا، لكن لابد أن تكون الرغبة الإصلاحية هذه، مصحوبة بمجموعة أشياء:
أولا منهج الطرح، الذي يطمئن المتلقي أو المستهدف أن الغاية من الطرح لا تمثل قفزا على ثوابت الدين في مجتمع متدين يرى أن الاعتداء على دينه، هو والاعتداء على عرضه سواء.
ثانيا، موضوعية العرض، فلا يقبل أبدا أن يعرض أفكار التجديد أشخاصا غير مؤهلين، أو أشخاصا بحكم توجهاتهم قد يثروا مخاوف نحن في غنى عنها.
ثالثا الشخصية التي تقوم بالعرض، إذ يفترض في من يقوم بهذه المهمة، أن يكون شخصية تحظى بقبول عام لدى عامة الناس، حتى تلقى الفكرة قبولا لديهم وتبدد ما يمكن أن يعتريهم من مخاوف.
يضاف إلى كل ما تقدم أن طرح القضايا الدينية على وجه التحديد، يجب أن يبتعد عما أسميه(الظيطة) الإعلامية التي تجعل كل من هب ودب يتكلم في أي موضوع دون خلفيات ودون اعتبار لما يطلق عليه الدعاة حسابات النتائج، لذلك علينا أن نفكر من الآن في آلية محترمة لتجديد الخطاب الديني بشكل موضوعي يلقى قبولا اجتماعيا ولا يتخوف منه المحافظون ولا يقفز عليه المجددون.
التعليقات