لابأس.. أنا الآن أرتدي حذاءك يا صديقي!

لابأس.. أنا الآن أرتدي حذاءك يا صديقي!

 

منذ عامين تقريبًا بدأت المشكلات تتزايد في حياتي وبدأت اضطرب وأشعر أنني لا أفهم ماذا يحدث حولي.. بدأت الأسئلة تتفاقم في ذهني:  لماذا يحدث هذا معي؟ لمذا يتصرف الآخرون معي هكذا؟ لماذا أنا تائهة ولا أشعر بالأمان أو الاستقرار؟ لماذا أصبح العالم مكانًا أسوأ؟ لماذا أشعر بالغضب على العالم؟

تزايدت حدة الأسئلة وعددها حتى باتت تشغلني ليلًا ونهارًا بشكل جعل عقلي لا يتوقف عن العمل حتى وأنا نائمة، وحينها قررت أن أبدأ رحلة القراءة والبحث بشكل مستفيض.. أملًا في الوصول لإجابات شافية لأسئلتي المحيرّة. بدأت أبحث على الإنترنت عن كل كل سؤال يشغل بالي.. أصبحت أتحدث فيما شغلني مع بعض من أثق بهم.. وبعد قراءة وافرة، تأكدت أنني أحتاج لبعض المساعدة المتخصصة.  تدرجت في طلب المساعدة،  لجأت أولًا لمدربي الحياة وبعض المتخصصيين ثم أخصائي نفسي ثم أخيرًا أصبحت أتردد بشكل منتظم لفترة من حياتي على الطبيب النفسي بعدما وضعت يدي على ما أحتاج بالتحديد ولم يكن ليحدث هذا أبدًا لولا مروري في رحلة البحث الطويلة.. الآن بعد مرور ما يقرب من العامين من هذه الرحلة، أستطيع القول بأريحية تامة أنني شخص آخر تمامًا.. مختلف تماماً عمًا كنت في الماضي.. أستطيع أن أؤكد  أن تجربة البحث كانت مفيدة بحق واستفدت منها جدًا..نعم، أعترف بكل صراحة أنني مدينة للكتابة والقراءة والأحاديث والفضفضة ومشاركة الأفكار والخبرات..ومدينة لعلم النفس وكتب العلاقات الإنسانية!

في كتابه علاقات خطرة، يتحدث دكتور محمد طه عن العلاج النفسي الديناميكي وقدرته على تغيير الطريقة التي ينظر الإنسان بها لكل شيء في حياته.. وهنا يكمن مربط الفرس وسر التغيير الحقيقي في طريقة رؤية الشخص للأشياء. في هذه المنهج في العلاج يحاول المعالج النفسي مع المريض الوصول للرسائل المختلفة التي تلقاها في طفولته وماضيه وتجاربه، والتي كان من شأنها إحداث الأذى النفسي والضرر والتشويه الذي يمر به المريض الآن في حياته،  وعندما ينجح المريض في الوصول لتلك الرسائل والحقائق بعد عدد من الجلسات، تنفجر بداخله طاقة غضب هائلة تجاه عن من أذاه نفسيًا ويبدأ حينها بالتعبير عن غضبه النفسي بأشكال مختلفة  قد تكون مخيفة في بعض الأحيان لمن بعرفه عن قرب، وهنا يأتي دور المعالج في أن يسانده حتى يتخطى هذه المرحلة الصعبة.. بعد فترة يبدأ المريض في فهم نفسه أكثر وتحليل الأسباب المختلفة التي جعلته مضطربًا وقد يزداد نهمه فيبدأ في القراءة أكثر وفي طلب المساعدة بشكل مستمر خصوصًا إذا كان شخصًا مثقفًا إيجابيًا يحاول دومًا مساعدة نفسه بنفسه، وهنا تحدث المفاجأة الحقيقة التي تقلب كل شيء رأسا على عقب: يكتشف المريض أن الآخرين الذين شكلوا دافعًا للاضطراب وسببوا له الألم والحزن في حياته، لديهم أيضًا رسائل سلبية مثله تلقوها في طفولتهم وماضيهم وتجاربهم،  وأنهم أيضًا مضطربون مثله، وقد يكونون ضحايا في بعض الأوقات فيبدأ المريض تدريجيًا في التفكير بشأنهم بنفس الطريقة الجديدة التي تعلّم أن يفكر بها لحل مشكلاته ومع مرور الوقت يكتشف أنهم ربما لم يتعمدوا إيذاؤه ويبدأ بالتدريج في التماس الأعذار لهم.

هذه أول مرحلة من مراحل الوصول للتصالح مع النفس والتخلص من الرواسب المؤلمة القديمة.. أن تصدق أن الرسائل التي وصلت لك ليست بالضرورة حقيقة، وأن الآخرين ربما لم يتعمدوا إيذاءك ولم يتعمدوا إيصال الرسائل السلبية لك.. ستبدأ بالتدريج في تصديق نفسك وتقديرها والتخلص من عقد الذنب والوصم وكل الوجع الذي تحمله بداخلك وستزداد بالتدريج قدرتك على فهم الآخر وفهم دوافعه، حتى المَرَضي منها، وصدق أو لا تصدق ستبدأ مع الوقت في مسامحة كل من تستطيع مسامحته لتنتقل إلى مرحلة أخرى صعبة من العلاج اسمها العلاج بالتسامح فالتسامح يساعدك على تخطي ألمك وجروحك الداخلية النازفة بشكل لا يمكن أن تتخيله.

أقول دائمًا عبارة أعلم أنه مبالغ فيها بعض الشيء: "إحنا مرضى نفسيين في حياة بعض"،  أي أن كل منا إنسان قد تكون لديه عُقده وندوبه واضطراباته وكلنا نؤثر في حياة بعضنا بشكل لا يمكن أن تتصوره وكل مجموعة من المضطربيين نفسيًا يجتذبون مجموعة أخرى تليق بهم بشكل يبدو مخيفًا.. أعتنقد  أن الخبراء يستطيعون أن يحضروا ورقة وقلما ويكتبوا تصورًا كاملا عن الأشخاص الذين سينجذبون لبعضهم وفقًا لاضطراب كل منهم! الأمر يبدو كلعبة puzzle يمكن حلّها بسهولة كلما زادت الخبرة والوعي.

لهذ يا صديقي، وبعد كل ما قرأته ربما تفهم الآن لماذا أستطيع أن أفهمك بشكل أفضل، أستطيع أن أرتدي حذاءك الآن وأن أرى الأمور بمنظورك أنت. أستطيع أن أعرف السبب الذي جعلك تنجذب لي أنا بالذات وأعرف تمامًا لماذا اخترتك أنت لتكون صديقي المفضل، ولماذا رفضت مصادقة ذلك الشخص الذي قابلناه سويًا الأسبوع الماضي.. أستطيع أن أقبَلَك كما أنت، وأن أحترم اختلافك.. أستطيع أن أتفهّم لماذا تحتاج لتركي والاختلاء في كهفك لبضع الوقت.. أستطيع أن أراك من الداخل وأعلم أنك لست شخصًا سيئًا لأنك نقوم بهذا الفعل أو غيره..

أنت تحتاج للبحث، تحتاج أن تقرأ أكثر، تحتاج ألا تستسلم للمشكلات والعراقيل التي تعيق حياتك.. تحتاج مثلي أن تحارب كل يوم لتضميد جروحك النازفة، تحتاج أن تعرف الشخصيات التي تتوافق معك، تحتاج أن تعرف أكثرعن العلاقات السامة في حياتك، وأن تتخلص منها تباعًا.. تحتاج أن تحب نفسك وتحترمها وتقدرها وتعززها وأن تعرف أنك لم تصبح أنت من فراغ.. شكلتك طفولة ومراهقة وعلاقات جيدة وسيئة.. أثرت بك كلمات رائعة وأخرى مُحبطة..قابلت من زرعوا في قلبك الطمئنينة ومن زرعوا الخوف والحزن والشعور بالذنب..

ابدأ رحلة البحث الآن وأعدك بأنك لن تندم ابدًا وستندهش كلما فهمت أكثر.. وستشعر أنك طفل صغير ما زال يتعلم المشي ومازال ينبهر بالأشياء التي يتعلمها كل يوم ويكتشفها عن البشر والحياة.

التعليقات