لماذا لم يكن النبي محمد من بني أمية ؟

لماذا لم يكن النبي محمد من بني أمية ؟

 

على ما يبدو فإنه منذ أن قدر الله ( للبيت الحرام) تلك المكانة السامية والرفيعة بين العرب جميعا ، كان من المنطقي أن يجعل سبحانه وتعالى لمن يقومون على رعاية وتعهد وخدمة هذا البيت مقام مميز وحق محفوظ وشرف غير معهود ، بحيث يصبح لهؤلاء القائمين على تلك المهمة المقدسة مكانة تليق بتلك القداسة ولا تتشابه أبدا مع كل مقامات الرئاسة الدنيوية المعهودة بين الناس.

وقد اختارت الحكمة الإلهية لهذا الغرض المقدس والنبيل أجداد النبي (ص) من بني هاشم ، فكانوا كما تريد منهم إرادة السماء على أعلى مستويات الإخلاص والصدق والنزاهة والتفاني في آداء واجبهم المقدس والمقدر لهم أزلا من فوق سبع سماوات .

وكما يقول الأستاذ العقاد في كتابه ( مطلع النور) فقد تنافس بنو هاشم وبنو أمية على هذا الشرف ، فأسفرت المنافسة بينهما عن فارق في الطباع ملحوظ الأثر في خلائق الأسرتين

من أيام الجاهلية إلى ما بعد الإسلام بعدة قرون ، ومهما تجد من ندين متناظرين في هاشم وأمية إلا وجدت بينهما هذا الفارق على نحو من الأنحاء .

وكلمات الأستاذ العقاد ، تجعل الذاكرة تستدعي هذا الموقف وتلك الكلمات التي جاءت على لسان الإمام علي بن أبي طالب  حين أرسل إليه معاوية بن أبي سفيان وقت النزاع بينهما  برسالة يقول له فيها : إننا - نحن وأنتم - أبناء عبد مناف، فكان رد علي كما جاء في نهج البلاغة: "وأما قولك: إنا بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل، فلعمري إنا بنو أب واحد، ولكن ليس أمية كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا المهاجر كالطليق، ولا المحق كالمبطل، ولا المؤمن كالمدغل، ولبئس الخلف خلف يتبع سلفا هوى في نار جهنم... ولما أدخل الله العرب في دينه أفواجا وأسلمت له هذه الأمة طوعا وكرها، كنتم ممن دخل في الدين إما رغبة أو رهبة".

والكلمات والمعاني هنا واضحة ، " فليس أمية كهاشم " في المجد و الشرف ، فيكفي هاشما أنه هو الذي سنّ لقريش رحلة الشتاء و الصيف ، وهو مطعم الحجيج ، وكان اسمه الأصلي عمرو ،ولكنه لما كان يهشم الثريد مع اللحم لقومه في وقت المجاعة سمي هاشما .

"و لا حرب كعبد المطلب"، فعبد المطلب كان نموذجا فريدا بين رجال عصره ، وقد قال معاوية بن أبي سفيان ذات يوم لدغفل النسّابة : أرأيت عبد المطلب ؟ قال نعم ، قال : كيف رأيته ؟ قال:رأيته رجلا نبيلا جميلا وضيئا ، كأن على وجهه نور النبوة .

و عبد المطلب هو من جدد حفر زمزم ، ومطعم الحجيج بعد أبيه ، وهو أول من طلي الكعبة بذهب في أبوابها ،و هو الذي استجاب اللَّه دعاءه على أصحاب الفيل ، و هو الذي تسميه قريش إبراهيم الثاني ..و يصفه الجاحظ فيقول : لم يكن لعبد المطلب في قريش نظير ، كما أنه ليس في العرب لقريش نظير ، و كما انه ليس في الناس للعرب نظير .

و كما هي جامعة كلمات العقاد حين يقول : "كان عبد المطلب متديناً صادق اليقين ؛ مؤمناً بمحارم دينهكان في الحق نمطاً فريداً بين أصحاب الطبائع التي فطرت على الاعتقاد ومناقب النبل والإيثار ، كانت مناقبه مطلبية تدل عليه ولا تصدر عن غيره ، وكانت كلها مزيجاً من الأنفة والرصانة والاستقلال ... أدعياء التاريخ خلقاء أن يسألوا أنفسهم هنا سؤالين ، لا يغفلهما أحد يفقه معنى تمحيص الخبر ، وأولهما في هذا السياق : لماذا يخترع الرواة هذه الأخبار عن عبد المطلب دون غيره ؟ وثانيهما : لماذا لم يخترعوها ولا اخترعوا أمثالها عن حرب بن أمية . وكل ما تفرقت فيه الروايات من أمر عبد المطلب قد استقرت على صفة لا تفترق فيها روايتان ، وهي صدق التدين والإيمان بمحارم الدين ".

 "ولا أبو سفيان كأبي طالب" ، أي أنه لو لم تكن لأبي طالب إلا محاماته و دفاعه عن النبي (ص) في بدايات الدعوة لكفاه ذلك فخرا و مجدا ، هذا في الوقت الذي ناصب فيه أبو سفيان الدعوة العداء ، وحاول بكل ما يملك من عقل وقوة القضاء عليها في مهدها واستمات في الحيلولة دون ذيوعها وانتشارها

ولم يتوقف عن ذلك إلا وتلك الدعوة وصاحبها في عز القوة والانتصار.

وبالعودة إلى الأستاذ العقاد في نفس الكتاب ( مطلع النور) نجده يقرر عن ثقة : أن بني هاشم كانوا أصحاب عقيدة , أريحية ووسامة ، بينما كان بنو أمية أصحاب عمل وحيلة وظهر مكروه ، ويؤكد العقاد أن الإجماع أو ما يشبهه قد انعقد على تقرير تلك الفروق بين الفرعين الكبيرين ، وبقي ذلك معروفا حتى ما بعد قيام دولة بني أمية دون دحض أو تفنيد .

ولعل الذاكرة هنا تستدعي ما حدث  حين دخل عقيل بن أبي طالب  على معاوية وقد كف بصره فأجلسه معه على سريره، ثم قال له: أنتم معشر بني هاشم تصابون في أبصاركم .

فرد عليه عقيل بمنتهى السرعة والذكاء : وأنتم معشر بني أمية تصابون في بصائركم .

قصف جبهة غير عادي ، والدلالة لا شك واضحة ، ولا تحتاج إلى شرح أو تفسير.

وقد يذكر هنا أنه عند تأسيس حلف الفضول الذي قام به بنو هاشم وقام به معهم بنو أسد وبنو زهرة وبنو تيم في حين لم يشارك فيه بنو أمية .. وكان النبي (ص) قد شهد هذا الحلف

وقال فيه قولته الشهيرة : " لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم ، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت " .

من الفوارق المهمة بين بني أمية وبني هاشم ، والتي أشارت إليها بعض قصص التاريخ ، أن نسب الأمويين لم يكن خالصا كالهاشميين ، بل كان نسبهم مدخولا ، وقد رمي الأمويون الأوائل بشبهات كثيرة في عمود النسب وهو ما لم يحدث مع بني هاشم .

بعد كل ذلك أعتقد أن الإجابة على السؤال : لماذا كان النبي من بني هاشم ولم يكن من بني أمية ؟ قد اكتملت ، وأن حكمة الخالق قد اقتضت أن ينشأ محمد في الأسرة التي تعطيه خير ما تعطي الأسر لأبنائها من خصال وصفات ، وأنه صلى الله عليه وسلم قد شرف تلك الأسرة بالنبوة التي لا يؤتيها إلا الله.

 

 

 

 

التعليقات