خوارج هذا الزمن «2 ـ 2»

خوارج هذا الزمن «2 ـ 2»

طيلة تاريخها تدرجت الجماعات الإسلامية المتطرفة فى مصر من الجماعات الكبيرة، مثل «الجماعة الإسلامية» و«الجهاد» إلى التنظيمات الهامشية الصغيرة أو النووية، مثل تنظيم «السمنى» و«الأهرام» و«جهاد الساحل» و«الواثقون من النصر» و«الغرباء» و«تنظيم أحمد يوسف» و«الفرماويون» و«الناجون من النار» و«الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» و«التكفير الجديد» و«أبناء الصعيد» و«النذير» و«التوحيد»، و«الشوقيون»، و«جماعة الفتح» و«الخلافة» و«جنود الرحمن» و«العصبة الهاشمية» و«مجموعة التسعين»، و«القصاص العادل»، و«القرآنيون» و«الجهاد الصحيح»، و«السماويون»، و«القطبيون». وبينما اندثر الكثير من هذه التنظيمات الهامشية، فإن الجماعة الإسلامية والجهاد، لا تزالان هما الجماعتان الأهم، القادرتان على تغيير بعض تكتيكاتهما ومساراتهما، مثل المراجعة الراهنة للجماعة الإسلامية، وحالة الانكماش أو الكمون والتشتت التى يعيشها تنظيم الجهاد. وبعد ثورة يناير ظهرت مجموعات تكفيرية عدة، بعضها عبر عن نفسه بعد إسقاط حكم الإخوان فى 3 يوليو 2013.

لكن إمعان النظر فى الطرح العقدى ـ السياسى للخوارج يقود إلى نتائج مغايرة، إذ يظهرون فيها فى موضع من أتى بالسياسة إلى الدين، على النقيض من الجماعات الإسلامية الراديكالية المعاصرة التى أتت بالدين إلى السياسة. فالخوارج كانوا فى مستهل حركتهم مجموعة من القراء، أى حفظة القرآن، وقبل ظهور الفقه والتأويل، كانوا هم بمنزلة علماء الأمة، واتسموا بالتنسك والزهد والتجرد والإخلاص لفهمهم الخاص للنص القرآنى، وقد خرجوا على الإمام على بن أبى طالب كرم الله وجهه، حين قبل بالتحكيم فى مواجهة معاوية بن أبى سفيان، واستمر خروجهم على الدولة الأموية حتى أرهقوها فى ثورتهم المستمرة، إذ لم يتمكن الأمويون على مدار تسعين عاما من هزيمتهم سوى مرة واحدة فى اثنتين وعشرين معركة دارت بين الجانبين.

أما المنخرطون فى صفوف الجماعات الإسلامية الراديكالية الراهنة فهم ممارسو سياسة من المنشأ حتى لو ارتدوا ثوب الدين، إذ إن قيام جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 كان فى جانب كبير منه رد فعل لسقوط الخلافة الإسلامية قبل ذلك بأربعة أعوام فقط، وهى إن كانت قد بدأت دعوية كى لا تستعدى الإنجليز الذين كانوا يحتلون مصر وقتها، فسرعان ما دخلت إلى حلبة السياسة، فتقاطعت فى فترة تاريخية ما مع القصر الملكى، وناوشت الاحتلال الإنجليزى. ولما قامت حركة الضباط فى يوليو من عام 1952 دخلت فى مواجهة معها انتهت بمحنتى 1954 و1965 لهذه الجماعة، التى استعادت قوتها حين استخدمها الرئيس الراحل أنور السادات فى ضرب اليسار المصرى. وبالتتابع صارت تصنف كجماعة سياسية ذات بعد دينى، وليست جماعة دينية دعوية محضة، حال التبليغ والدعوة أو أنصار السنة المحمدية أو الجمعية الشرعية للعاملين بالكتاب والسنة، وغيـرها.  وبالاختلاف مع جماعة الإخوان والانشقاق عليها ومحاولة مضارعتها أو إزاحتها أو استجابة لما رتبته السلطة فى وقت ما، ولدت الجماعات الإسلامية الراديكالية، وراحت تؤسس خطابها المختلف وترمى الإخوان بالتقاعس، وتنتقد خطابهم السلمى، بعد تخليهم عن العنف، ومسلكهم المدنى، بعد التعديلات الجزئية التى أدخلوها على تفكيرهم السياسى.

ومن الظلم أن نطابق الجماعات الإسلامية الراديكالية، التى تمارس العنف، بالخوارج فى قضايا مثل فلسفة الحكم ومكانة المرأة. فالخوارج كانوا أكثر تقدما وعدلا، وبدوا فى هذا المضمار الأقرب إلى روح الإسلام، إذ رأوا أن الصلاح والصلاحية هما شرطا الإمامة، وليس النسب، ليتميزوا فى ذلك عن فرق إسلامية شتى اشترطت النسب القرشى أو العربى فى من يتولى خلافة المسلمين. وقد طبق الخوارج رؤيتهم هذه فى الواقع، فلم يكن أى من أئمتهم الذين عقدت لهم البيعة قرشى النسب. ولم يقع الخوارج فى أحابيل الثيوقراطية، على العكس من بعض الفرق الإسلامية التى عاصرتهم، والجماعات الإسلامية الراهنة، فالإمامة لديهم من فروع الدين، ومصدرها «الرأى»، وطريقها «البيعة»، وليس «النص» أو «التعيين». كما أجاز بعض الخوارج تولى المرأة منصب الخلافة، أو الإمامة العظمى، ليتقدموا هنا عن بعض مجتمعاتنا المسلمة المعاصرة بوجه عام خطوات كبيرة، وعن الجماعات الإسلامية المتطرفة خطوات أكبر.

ومقارنة بخطاب الجماعات الإسلامية الراديكالية الحالية، كان الجانب الاجتماعى أكثر وضوحا فى فكر الخوارج، فقد رفضوا تكديس الثروات، وناضلوا من أجل الزكاة والصدقات، باعتبارهما حقًّا وليس منحة أو منّة.

وفى الوقت ذاته كان الخوارج أكثر إيمانا بقدرة الإنسان، بوصفه كائنا حرا ومسؤولا. أما الجماعات الإسلامية، الراهنة فهى إن كانت قد اهتمت بالتطبيب الاجتماعى أو الشق التراحمى أو التكافلى فى الشريعة الإسلامية على المستوى العملى من خلال سلوكيات خاصة بها، فقد استهدفت أساسا تجنيد الأنصار وتعبئة المجتمع حول أفكارهم السياسية أصلا، دون أن تكلف نفسها عناء التنظير للجانب الاجتماعى فى الإسلام. فالكتاب المهم جدا للأستاذ سيد القطب الموسوم بـ«العدالة الاجتماعية فى الإسلام» سرعان ما تم تجاوزه عملًا، حين طغت المصالح السياسية عند هذه الجماعات على ما عداها، وهى مصالح ارتبطت أصلا بالوصول إلى السلطة بأى ثمن. ويمكن هنا أن نضرب مثلا على تراجع الاهتمام بالجانب الاجتماعى لدى الجماعات الإسلامية المعاصرة، من خلال تقييم أداء التحالف الإسلامى فى مجلس الشعب المصرى خلال الفصل التشريعى الخامس. فقد لوحظ أن المسائل الاجتماعية توارت إلى الخلف لحساب الاهتمام بقضايا سياسية فى مقدمتها تطبيق الشريعة الإسلامية، والقضايا الأمنية.

وفى المقابل، من الظلم للجماعات الإسلامية الراديكالية الراهنة أن نطابقها بالخوارج من حيث السياق الذى ولدت فيه، وماهية تصورها للعدو الذى تنازله. فالخوارج حاربوا فى البداية، إماما عادلا ورعا لم يحد عن مبادئ الدين ليكسب السياسة وهو على بن أبى طالب، ولم تكن هناك ظروف اقتصادية واجتماعية وثقافية وراء معارضتهم، وتوسلهم السيف طريقا للتغيير. أما الراديكاليون الإسلاميون اليوم فيبدون، بوصفهم ظاهرة اجتماعية ـ سياسية، صناعة لظروف قاهرة، حيث الاستبداد السياسى والظلم الاجتماعى المتمظهر فى الفقر وإهدار الثروة والفساد والنهب المتعمد المنظم لمقدرات الشعوب، وخلل القيم، والشعور بالمهانة فى مواجهة «الآخر الغربى». وهذه الظروف تفسر  وتغذى، مسلكهم فى التطرف، بل تبرره، من وجهة نظرهم، لكنهم لا يقدمون تصورا ملموسا للتغيير يكافئ  ما قدمه الخوارج، قياسا إلى عصرهم.

وفى ظنى فإن المراجعات الأخيرة للجماعة الإسلامية ولفقيه القاعدة والقيادى الجهادى البارز الدكتور فضل تعيد صياغة أفكار ورؤى التنظيمات والجماعات السياسية ذات الإسناد الإسلامى بما يجعلها تتجاوز أفكار الخوارج وتقترب من الأفكار والاجتهادات الأكثر اعتدالا فى الحركة الإسلامية المعاصرة.

التعليقات