لا تكن غبيًا مازوخيًا

لا تكن غبيًا مازوخيًا
الحب ليس عذاب.. هكذا أتصور، فحين أحب سأذهب إلى الفردوس أنعم بالحرية، سأكتمل بالآخر.
 
حين أحب لن أخطو إلى جهنم بملء إرادتي، لأن عقلي ليس بحجم عقل الفراشة التي تحوم حول الضوء.
 
لن أقع في الحب بل سأقف شامخة الرأس، ولن أحترق من أجل الحبيب، لن أموت شغفا بسبب قلة النوم ولن أضيّع عمري بكًاء على اللبن المسكوب إن هجرني ذات يوم.
 
معذرة للمطربة العظيمة نجاة الصغيرة.. فعيون قلبي لن تُفسد ساعتي البيولجية، بل ستغمض ثمان ساعات، فليس من الحكمة أن «أسهر منامش وهو ميسهرش ليلة» فهذا سيتسبب في التأخير عن العمل وقلة الإنتاج أو الخصم من المرتب وفي أسوأ الظروف الفصل النهائي وفي النهاية لن ينفعني الحبيب، ولا التفاني والتضحية سيدخران لي حينما أفلس.
 
عيون قلبي تفضّل أن تنام وتحلم بالجنة على صدر الحبيب مطمئنة أنه لا شروط ولا إجبار، سأعطيك حبا وحنانا وتعطيني حبا ورحمة، فهذه أقصى غايات وأهداف للحب.
 
عندما غنت العظيمة فيروز «أهواك بلا أمل»، لم تكن تعلم أنها ارتكبت جرما فادحا في حق مستمعيها من العشاق الذين ساروا على دربها معتبرين أنهم الأطراف العاقلة في علاقاتهم العاطفية، مستهلكين مشاعرهم الطازجة بلا أي فائدة، غير أنهم أسرفوا في طاقة ومخزون قد لا يأتي بنفس الجودة مرة أخرى، وإن أتى ضعيفا باهتا فلن يسعفهم في وقت الحاجة.
 
أما أولئك الذين تجدهم قد صمتوا فجأة في سياراتهم عندما يصدح صوت العندليب من الراديو صارخًا من العذاب «حبك نار مش عايز أطفيها ولا أخليها دقيقة تفوتني محسش بيها» يصنفهم الطب النفسي بالمرضى وهم لا يدركون ذلك ، فهم للأسف مصابون بالمازوخية في مستوياتها الأولى.
 
 هؤلاء يتلذذون بالعذاب فكلما انتهى العندليب من «كوبليه» وارتفع إيقاعه الحزين الباكي،  تجدهم يزدادون في الألم النفسي معبرين عن ذلك بالتنهد والترنح وهز الرأس، ويبدأون في تأمل قصصهم مع الـ«الكراش»، كلما حاولوا لفت نظره ولّى عنهم مدبرًا، أو تركهم يحترقون وهم يتخيلون أنهم كالفراشات تصبر وتكرر محاولاتها البائسة لكنها تصطدم بالمصابيح وتتكسر أجنحتها أو تحترق لتموت، فلا هي نالت الدفء ولا عاشت تتباهى بأجنحتها الملونة.
 
نفس الشيء في العلاقات العاطفية المسممة، يكون هناك طرف ضعيف يقبل بالظلم والقسوة، معتبرًا أنه شمعة تحترق من أجل الآخر، وعليه أن ينتظر دائما ويصبر ويتحمل ويتغاضى عن هفوات وأخطاء الشريك لتمضي العلاقة بأمان دون فراق.
 
اليأس وعدم تقدير الذات والخوف من الوحدة والهجر وإدمان شخص بعينه، كلها أسباب تدفعنا لنلتمس الأعذار ونبرر الأخطاء، خوفا من الوجع والفقد والانكسار، فنحن لا نريد أن نمضي بدون من أحببناهم، وقد نفعل لهم ما يرغبون، نطيع وننفذ ونقول «حاضرونعم» ونحن نتجرع كأس الألم، ونغفل دون وعي حين تختلط الأمور بين العطاء المتبادل وبين وقوعنا ضحايا للابتزاز العاطفي.
 
يتكلف ضحايا هذا الابتزاز كثيرًا من الضرر الواقع عليهم ويتصورون أنهم العقلاء،  بل ويرفضون الاعتراف بأنهم الأطراف الضعيفة في علاقات غير صحية ومدمرة نفسيًا، تلك العلاقات التي يتحكم فيها طرف واحد يقرر بكل ديكتاتورية وسادية ما يريده هو فقط، ودون أن يشرك الآخر الذي ينتهي به الحال إلى الشعور الدائم بأنه «مغلوب على أمره» والقرار ليس بيده، بينما الطرف الأقوى هو الذي يقود الحياة وفق قوانينه الخاصة.
 
ما هي غاية الحب الذي نبحث عنه إذن؟ ومن المفترض أنه سر السعادة وبناء الكون في حالة أنك تدور حول شخص واحد وتظل تدور وتدور في نفس الفلك متغافلا المشاعر والأهداف والإرادة «المشتركة»؟
 
حينما توجه حياتك ومجهوداتك واهتماماتك ناحية شخص يتجاهل احتياجاتك سواء أكنت راضيًا أم رافضًا، فهذا الذوبان في الآخر مرهق ومكلف وممل مع طول الوقت، وللأسف قد لا يشعر ضحية هذا الابتزاز بأنه المجني عليه، في أغلب الظن سيتصور أنه مقصّر طيلة الوقت، بل وسيلوم نفسه على هذا التقصير.
 
يؤكد ما سبق المطرب القدير هاني شاكر وهو في اعتقادي ساهم أيضًا مع كتيبة مطربي الابتزاز العاطفي والسادية والمازوخية، فمعظم أغنياته إما يتلذذ بالألم أو أنه يهدد مثلما فعل حينما غنى « تخسري/ وأنا هابتدي أكتب السطر الأخير/ سيبي قلبي وابعدي/ وحدي مش هاخسر كتير/ إنما أنتِ هتخسري حبي الحقيقي».
 
المرضى باضطراب الشخصية الحدية هم فقط الذين يلجأون لوسائل التهديد والضغط النفسي السابقة لإشعار الطرف الآخر بالذنب، لينفذ أوامرهم غصبًا عنه تحت الألم النفسي، وهي طبعًا وسائل تلاعب قوية يستخدمها الطرف الأقوى في العلاقة لإجبار الآخر على الخنوع والإذعان وتهديده بالعقاب النفسي كالحرمان من الجنس أو الكلام أو التهديد بالطلاق أو البعد.
فهل ترضى الارتباط بمريض اضطراب الشخصية الحدية؟
 
«يا حبيبي تعالى الحقني شوف اللي جرالي من بعدك.. سهرانة من وجدي بناجي خيالي»
استكمالا للتوضيح فإن أسمهان الجميلة التي تأثرنا جميعًا بقصة رحيلها في حادث مأساوي في أربعينيات القرن الماضي، ارتكبت نفس الجريمة حين غنت هذه الأغنية وهي تحاول استجداء العطف والتأثير على رجل بدموع التماسيح، في البداية يبدو أنها بريئة ولكنها ذات نوايا ملتوية، فهي تخاطب حبيبا يبدو أنه قد هجرها لسبب ما، ولأنها تعرف نقاط ضعفه حاولت استخدام نفس الطريقة النرجسية ذات الميول الهدامة التي تشعر بأن لديها الحق في استغلال الآخرين وتعزيز شعورهم بالذنب. 
 
مع الاعتذار والاحترام لكل المطربين العظماء الذين استخدمت أغانيهم في مقالي ليس انتقادًا لشخصهم.. 
الحب حرية وسعادة وبناء وليس شقاء، ليس مشروطا فإن لم أكتمل وتكتمل بي يصبح الحب قيدا مملا وثقيلا.. 
«ياللي أنتِ حبك حرية في العشق آه.. ولا شيء ممنوع»
التعليقات