الاقتصاد الإعلامي وعشوائية المنتج المصري

الاقتصاد الإعلامي وعشوائية المنتج المصري
صناعة الإعلام أصبحت من أهم المشروعات التي تقع في دائرة اهتمام رجال الأعمال حول العالم، نظرا لما يمكن أن تقدمه من مكاسب عملاقة، فضلا عن النفوذ الذي ربما يكون وحده هدفا لكثير من رجال الأعمال.
لكن بدراسة النموذج المصري للاستثمار في مجال الإعلام، وجدت فجوة واسعة بين ما هو متبع في العالم وبين ما يحدث في مصر، فبينما يتبع الاستثمار في مجال الإعلام في العالم مناهج علمية قائمة على دراسات الربح والخسارة والحسابات قصيرة الأجل والحسابات على المدى البعيد، تسير الأمور عندنا في مصر بعشوائية، لا أقل من أن تكون مجرد فكرة طرأت على ذهن ثري، فينفذها على عجالة من غير دراسات ولا حسابات، ثم تفشل وتضيع معها أحلام مئات إن لم يكن آلاف الأشخاص الذين ارتبطوا بها. 
 لذلك رأيت من المناسب ونحن نعيش هذه الحالة أن نتعرض ولو على عجالة للحديث عن ذلك العلم واسع السيط في الأوساط الإعلامية العالمية، المحدود جدا في في الأوساط الإعلامية المصرية، وهو مجال الاقتصاد الإعلامي، الذي يمثل موضوعا أكثر شمولا وتعقيدا أيضا، ويعكس أهمية الإعلام كجزء من اقتصاد هذا البلد أو ذاك، وأيضا كجزء من الاقتصاد العالمي.
والاقتصاد الإعلامي يمثل دراسة السبل التي تستخدم من خلالها الصناعات الإعلامية والموارد النادرة لإنتاج المحتوى الذي يتم توزيعه بين المستهلكين في مجتمع لسد احتياجاتهم وإشباع رغباتهم، وذلك من خلال  دراسة الكيفية التي تعمل بها الشركات والصناعات الإعلامية عبر مستويات مختلفة من النشاط، عبر استخدام النظريات والمفاهيم والتصورات والمبادئ المستلهمة من الرؤى المتعلقة بالاقتصاد الكلي والاقتصاد الجزئي، خاصة في ظل عملية رقمنة الصناعات الإعلامية التي أسهمت في القضاء على الحدود المرتبطة بدراسة الإعلام التقليدي. 
فالاقتصاد الجزئي هو الذي يدرس القرارات الاقتصادية المتخذة من قبل الأفراد والشركات حيث يركز في دراساته على دراسة الوحدات الاقتصادية الفردية وأسواق معينة مثل سوق السيارات، بالإضافة إلى دراسته الكيفية التي يتم تخصيص الموارد وأسعار السلع والخدمات فيها والتي عادةً ما تكون محددة من قبل قوى العرض والطلب.
وعليه فإن الاقتصاد الجزئي ينظر إلى كيف يمكن أن تقوم شركة معينة بزيادة إنتاجها مع الحفاظ على أسعار متدنية إجمالاً.
بالمقابل يركز الاقتصاد الكلي في دراسته على دراسة الاقتصاد ككل، ليس فقط شركات محددة بل صناعة بأكملها، لذلك عند الدراسة يأخذ بعين الاعتبار كيفية تأثير عوامل مثل الناتج المحلي الإجمالي،التضخم، البطالة وغيرها على الاقتصاد بأكمله، فأي تغير في معدل البطالة على سبيل المثال قد يكون له تأثير كبير على الناتج المحلي الإجمالي للبلد.
ورغم الاختلاف وتركيز كل منهما على جانب اقتصادي معين إلا أن هناك علاقة وطيدة بين الاثنين، حيث يتم استخدام الكثير من عناصر الاقتصاد الجزئي في الاقتصاد الكلي. 
من الناحية النظرية، يمكن تفسير سلوك عناصر الاقتصاد الجزئي عبر مراقبة سلوك الأفراد، هذا بالإضافة إلى أن علم الاقتصاد الكلي يرتكز في بعض دراساته على سلوك الوحدات الاقتصادية الكبيرة من مبادئ الاقتصاد الجزئي.
لذلك فمن الضروري جدا عند إدارة أي مؤسسة إعلامية دراسة وتحليل الاقتصاد الإعلامي وطرح مجموعة من النظريات والمفاهيم والتصورات التي تعضد فكرة إنشاء المؤسسة، بما في ذلك مناقشة الأسواق ومراحل تطورها، ودور المحركات الأساسية للاقتصاد، مثل التكنولوجيا والعولمة والقواعد التنظيمية والجوانب الاجتماعية مع استعراض بعض القضايا الحيوية المهمة، مثل التمويل والتقييم والاستثمارات.
ومن أهم الأهداف التي لا زالت بعيدة عن حيز التنفيذ،  فهم الكيفية التي تتفاعل بها الشركات والصناعات الإعلامية وتتداخل مع بعضها، وكذلك الكيفية التي تؤثر بها تلك الشركات والصناعات على النشاط الاقتصادي على مستويات مختلفة من المجتمع، لكن على الرغم من ذلك فإن دراسة الاقتصاد الإعلامي مازالت في حاجة  إلى أن يتم تناولها من منظور شامل.
وتاريخيا، فإن علم اقتصاد الإعلام قد تم فحصه واستكشافه باستخدام رؤى ووجهات فردية، مثل التركيز على صناعة إعلام واحدة، أو ممارسات محددة مثل التمويل والتقييم، أو دولة بعينها، مثل الولايات المتحدة الأمريكية أو المملكة المتحدة أو حتى الصين، ومع ذلك، فإنه ونظرا للعولمة، والقواعد التنظيمية والتغيرات الاجتماعية والتكنولوجيا، تتطلب دراسة علم اقتصاد الإعلام رؤية أوسع. 
ويتعين فحص علم اقتصاد الإعلام عبر مستويات موسعة من التحقيق، إذ أنه يتضمن مجالات ومستويات عدة من النشاط الاقتصادي.
وتعد الصناعات الإعلامية واحدة من محركات الاقتصاد العديدة التي تتواجد في معظم البلدان المتقدمة والنامية، وتشكل في العادة جزء من جانب يتعلق بالمستهلك، مع الوضع في الاعتبار أن مجال الإعلام من المجالات التي  تتغير وتتطور بشكل مستمر.
وعلاوة على ذلك، فإن التلفاز والمذياع والصحف لم تعد تعمل ككيانات فردية، ولكن كمشروعات تقدم محتوى عبر منصات توزيع متعددة، وهو الأمر الذي يجعلها مرتبطة إلى حد كبير بتطبيق نظريات ومفاهيم مرتبطة بالاقتصاد، بما في ذلك النظريات ذات الصلة، التي باتت تعرف بنظريات الاقتصاد الإعلامي.
خلاصة القول، فإن أي دارس للسوق الإعلامي المصري سوف يكشف بسهولة مدى حيوية هذا السوق، وهو ما يفسر حجم القنوات الموجهة التي تستهدفه، لكن للأسف الشديد، ما زلنا في حاجة إلى مشروع اقتصادي إعلامي وطني عملاق، يستطيع الاستفادة من إمكانيات هذا السوق، على أن يحظى بالدراسات التي تضمن له الاستمرارية والبقاء.
التعليقات