الخجل النووي

الخجل النووي

 

 
◙ من النسخة الورقية 
 
جاءت الانطلاقة الخجولة لمحادثات الأمم المتحدة الاثنين الماضى بنيويورك، الهادفة للتوصل إلى معاهدة صارمة لحظر الأسلحة النووية حاملة فى حيثياتها أكثر من دلالة بشأن توازن القوى فى العالم، وبشأن بنية المنظمة الدولية التى يفترض أنها أممية يرجى منها الحفاظ على السلم العالمى، فضلا عن ما تعنيه تلك المباحثات الخجولة بالنسبة لإمكانية امتثال الكثير من الدول الطامحة فى امتلاك القوة النووية لكل ما يحد تحركها فى تجاه تملك الأسلحة النووية مستقبلا.
استحقت المحادثات الأممية صفة الخجولة بسبب عدم مشاركة كافة الدول النووية الكبرى فيها ليصل عدد المقاطعين لها إلى أربعين دولة من إجمالى 193 دولة من عضوية المنظمة، فى حين شاركت فيها 123 دولة متحمسة للهدف من المحادثات وهى الغالبية العظمى من عضوية المنظمة!
إن الأمر حقا يستحق التعجب! فكيف تكون غالبية عضوية المنظمة الدولية أى مئة ثلاثة وعشرين دولة راغبة وبقوة فى وضع حد لانتشار الأسلحة النووية، ورغم ذلك توصف المحادثات بواسطة المراقبين بأنها خجولة، وذلك لمجرد أن 25% فقط من العضوية لم يسجلوا حضورا؟
ورغم أن السبب واضح فى هذه المعادلة الناقصة، إلا أن البحث عن المتغير المجهول الذى يطلق عليه الرياضيون الحرف «س» يظل ماثلا وفارضا نفسه أمام كافة عضوية المنظمة الدولية، فى حين تظل الغالبية الميكانيكية لعضوية الجمعية العامة للأمم المتحدة عاجزة عن إخضاع ذلك المتغير كحل لتلك المعادلة طالما أن المتغير المجهول «س» فى هذه المعادلة هو «القوة» التى لا تملكها إلا أربعون دولة بينها القوى الكبرى، وهى تمثل فى إجماليها 25% فقط من إجمالى عضوية المنظمة التى يفترض أنها أممية.
ومن هذه المعادلة الناقصة ومتغيرها المجهول المتمثل فى «القوى المسيطرة» يمكن قراءة الدلالة المتعلقة بتوازن القوى فى العالم، حيث إن القوى الكبرى المقاطعة للمحادثات الأمم المتحدة بشأن العمل على صياغة معاهدة لحظر الأسلحة النووية، تشمل قوة نووية وهى كل من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا وروسيا وإسرائيل التى أصبحت قوة نووية يشار إليها بالبنان شاء العرب أم أبوا. ما يعنى أن مستوى التغيير أو التغير فى ميزان القوى العالمية وبالمنطقة العربية يمضى نحو المزيد من اتساع الهوة والخلل ولربما المزيد من الانفراط.
أما الدلالة المتعلقة ببنية المنظمة الدولية، فإن أخطر ما فيها هو أن مصطلح «الأغلبية الديناميكية» الغربى المنشأ والديمقراطى المعنى، لم يعد له قيمة داخل أروقة الأمم المتحدة التى يفترض أنها ديمقراطية الممارسة. وإن كان الأمر غير ذلك أى له قيمة لتمكنت الدول المائة والثلاث والعشرين المؤيدة لفكرة التوصل إلى صياغة معاهدة دولية صارمة لحظر الأسلحة النووية على مستوى العالم، لتمكنت من فرض رأيها بحكم أغلبيتها الميكانيكية ولتكونت لجان الصياغة، ولاحتفى العالم أجمع بإمكانية ابتعاد الإنسانية من مخاطر السلاح النووى فى عالم تتجدد فيه الصراعات «المنفلتة» يوما بعد يوم. لكن هيهات لأن ذلك لم يحدث وقد لا يحدث، طالما أن المتغير «س» الذى يعنى «القوة» هنا مفقود بين الغالبية العظمى لعضوية الجمعية العامة للأمم المتحدة… وبهذا يمكن الحديث عن ضرورة إعادة النظر فى بنية المنظمة الدولية أن يطل برأسه مرة أخرى.
أما الدلالة المتعلقة بإمكانية امتثال المتطلعين لامتلاك النووى إلى ما سيحد حركتهم، فإن رفض الدول النووية الكبرى للمحادثات ومقاطعتها بالضرورة أنه سيأتى بنتيجة ليست فى صالح الحد من الانتشار النووى، باعتبار أن رفض الكبار سيزيد تلك الدول الطموحة عنادا خصوصا أن لديها فى الأصل الاستعداد للمغامرة على أمل أن تنضم إلى نادى الأقوياء. فى حين أن تلك الدول النووية لو اهتدت لحضور تلك المحادثات لتمكنت من تشكيل قوى أممية قانونية رادعة ضد أى محاولات من دول العالم الأخرى فى اتجاه امتلاك الأسلحة النووية، خصوصا أن محادثات الاثنين الماضى غير المعروفة نتائجها حتى الآن، قد بدأت مستندة إلى قرار أممى بنهاية عام 2016 الماضى من أجل التفاوض على آلية (ملزمة قانونا) لحظر الأسلحة النووية على مستوى العالم.. ولكن يبدو أن ذلك الأمر لن يحدث على الأقل على المدى القريب.
التعليقات