خوارج هذا الزمن (1 ـ 2)

خوارج هذا الزمن (1 ـ 2)

 

 
للوهلة الأولى تبدو المطابقة بين «الخوارج» فى زمانهم الذى ولى و«الجماعات الإسلامية الراديكالية» المعاصرة أمر غير قابل للدحض، أو حتى النقد العميق. فهذه الجماعات، إذا نظرنا فى عجالة إلى علاقتها بالنص والسلطة، تبدو ظاهريا مجرد إعادة إنتاج، فى سياق جديد، للخوارج أو «الشراة» أو «الجماعة المؤمنة»، كما كان يحلو لهم أن يطلقوا على أنفسهم، بوصفهم من اشتروا الآخرة بالدنيا، وأنهم المؤمنون دون غيرهم.

 

وإذا كانت المراجعة التى قام بها فقيه ومنظر القاعدة الأول سيد إمام عبد العزيز المعروف باسم الدكتور فضل، ومن قبلها تلك التى قام بها بعض قادة «الجماعة الإسلامية» فى مصر، لأفكارهم وسلوكهم تنأى بهم، فى نظر البعض، عن التماثل الجزئى مع الخوارج، بوصفهم إحدى حركات الاحتجاج السياسى الدينى فى التاريخ الإسلامى، فإن التعامل مع هذه المراجعة على أنها مجرد «تكتيك» وليس عدولا عن المواقف والأفكار، أو أنها أمر يخص من قاموا بها فقط، وليس بمقدورهم أن يلزموا أتباع الجماعة الآخرين بشىء منها، يجعل المضاهاة بين الخوارج والتنظيمات الإسلامية المتطرفة، أمرا قابلا للنظر، ليس فى الوقت الراهن فحسب، بل فى المدى المنظور أيضا.
وإذا أخذنا الحال المصرية نموذجا نجد أن أوجه الشبه تبدو كثيرة بين الفريقين، حيث التعامل الحرفى مع النص، الذى يعنى تأويل النصوص من آيات قرآنية وأحاديث نبوية بظاهرها وليس بالمعانى الكامنة فيها والعلل البعيدة لها، وسياقها التاريخى الاجتماعى أو الموقف المحيط بها، وهو ما أسماه الفقهاء سبب نزول الآية. وهذا الوضع طالما أنتج لدى الطرفين سلوكيات تتنافر مع مواقف الجماعة، أو الأغلبية المسلمة، وطالما قاد فى تاريخ المسلمين على مدار القرون التى خلت إلى ظاهرة الانشطار والانشقاق والتنوع، التى تبدأ بالاختلاف وتصل إلى حد الصراع الدموى.
ويتماثل الجانبان، إلى حد كبير، فى الاعتقاد بأن الأتباع هم «المؤمنون» أو على الأقل «المسلمون» وما عداهم غير ذلك، ومنازلة «أئمة الجور»، من وجهة نظرهم، بالسيف، واستخدام القوة فى تطبيق «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر»، والسخرية من مواقف الخصوم وآرائهم. فحين أطلق خصوم «الخوارج» هذه التسمية عليهم، باعتبارهم خارجين على أئمة العدل، قبلوا هذا النعت وقالوا إنهم خارجون على أئمة الجور، وإنهم «الجماعة المؤمنة» القائمة على الجهاد فى سبيل الله، بل بحثوا عن آية فى القرآن الكريم يبرر تأويلهم لها موقفهم هذا فكانت الآية السادسة والأربعين من سورة «التوبة» التى يقول فيها الله سبحانه وتعالى: «ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة..».
أما أتباع التنظيمات والجماعات المتطرفة المعاصرة فى مصر، التى ترفع من الإسلام شعارا سياسيا لها، فلم يمتعضوا من نعتهم بالإرهاب، وقالوا شفاهة وكتابة إن «المؤمن يجب أن يكون إرهابيا»، لأنه «يرهب أعداء الله والمسلمين»، حسب تفسيرهم الحرفى لنص الآية الكريمة: «وأعدوا لهم ما ستطعتم من قوة ومن رباط الخيل. ترهبون به عدو الله وعدوكم..» . وأطلقت بعض هذه الجماعات على نفسها أسماء شبيهة بما ذهب إليه الخوارج، فها هم أتباع شكرى مصطفى المعروفون إعلاميا باسم «تنظيم التكفير والهجرة» يسمون جماعتهم «جماعة المؤمنين»، وها هم آخرون يطلقون على أنفسهم «الناجون من النار» أو حتى «الجماعة الإسلامية».
ومثل هذا الوضع انسحب على الحياة السياسية عند الخوارج وأتباع الجماعات الإسلامية الراديكالية فى مصر، ثم التحق تنظيم الإخوان بهذا المسار بعد انزلاقه إلى العنف والإرهاب. فالخوارج أجابوا عن التساؤل الجوهرى فى هذا المضمار وهو: هل حكام بنى أمية الذين ارتكبوا الكبائر مؤمنون؟ أم كافرون؟ أم منافقون على الأقل؟ وكانت الإجابة هى الكفر البين، الذى انسحب من رموز الدولة إلى سائر من يخالف الخوارج الرأى والموقف. وأجاب أتباع الجماعات المتطرفة الراهنة فى مصر عن التساؤل نفسه بالإجابة عينها، استنادا إلى تأويل الآيات القرآنية الثلاث التى تضمنتها سورة «المائدة» التى تنتهى جميعها بقول الله سبحانه وتعالى «.. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون»، «.. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون» و«.. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون». وترجع هذه الجماعات فى مسألة التكفير إلى أفكار ابن تيمية التى ارتبطت بسياق تاريخى بررها إلى حد كبير، إذ أطلقها ضد حكام الدويلات الذين تواطؤا مع التتار أثناء اجتياحهم العسكرى لأرض الخلافة الإسلامية.
كما يتشابه الفريقان فى ظاهرة «التفتت» أو «الانشطار»، فالخوارج بلغوا، فى رحلتهم التاريخية الطويلة، نحو سبع وعشرين فرقة، والجماعات الراهنة تشهد دوما انشقاقات كبيرة وهامشية وولادة تنظيمات جديدة. وهذه الانشقاقات وذلك التعدد قام، حسبما سبقت الإشارة، على اختلاف فى الفروع، وإن كان هناك اتفاق فى الأصول.
وقد امتد هذا التشابه إلى ما يرتبط بتواجد «جماعات كبيرة» وأخرى «هامشية» أو صغيرة داخل الفصيل أو الاتجاه الواحد. فالخوارج رغم كثرة فرقهم فإن حركتهم انتظمت أساسا فى أربع فرق رئيسية هى، «الأزارقة»، نسبة إلى إمامهم نافع بن الأزرق، و«النجدات» حسب اسم إمامهم وهو نجدة بن عامر الحنفى، و«الإباضية» وهم أتباع عبد الله بن أباض، و«الصفرية»، وإمامهم زياد الأصفر. وقد اندثرت هذه الفرق جميعها، وصارت جزءا من التاريخ السياسى الاجتماعى للمسلمين، ولم تبق منها سوى «الإباضية»، التى يتركز أغلب أتباعها فى سلطنة عمان وشرق إفريقيا وبعض بلدان المغرب العربى.
(ونكمل الأسبوع المقبل إن شاء الله تعالى).
التعليقات