المواطن محدود الأدب

المواطن محدود الأدب
استفزتني مؤخرا وأنا أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، الدعوات المتكررة للارتقاء بسلوكياتنا في حين أننا لا نلمس هذا الارتقاء فعليا.
ومن الأمور التي أثارت غضبي حقًا العبارة الشهيرة التي أصادفها كثيرًا «ارتقوا قبل فوات الأوان فالقاع مزدحم».
لا أخفي عليكم يشغلني جدًا معنى هذا الارتقاء الذي ينادي به رواد وسائل التواصل الاجتماعي وهم أغلبية في مصر، لماذا نطالب دائما بالأخلاق الحسنة وبشوارع نظيفة وعدالة وحرية ونحن لا نحترم المبادئ نفسها؟
في الحقيقة نحن لا نريد أن نحترم أي شيء ولا أي شخص، والعدوان الذي نتعرض له يوميًا في الشوارع من بعضنا خير دليل على أن الحديث عن المثالية هو حديث فض مجالس واستعراض لا أكثر.
استثني من حديثي بعض المحترمين الذين يحترمون القوانين والآداب الاجتماعية.
دعك من هذا وأجب عن سؤالي..
هل أنت من مستخدمي مترو الأنفاق في مصر؟
كم عدد المصريين الذين لم يستخدموا متروا الأنفاق حتى الآن؟
من خلال هذا السؤال سأناقشكم في مشاهداتي لفئة المصريين الذين يستخدمون مترو الأنفاق في أوقات الذروة وتصرفاتهم التي تعكس السلوك العام الذي اتحدث عنه.
في اعتقادي أن شريحة عريضة وكبيرة جدًا من المصريين يستخدمون مترو الأنفاق، تلك الشريحة هي التي تمثل المواطنين محدودي الدخل الكادحين العاملين «الشقيانين» المكلومين بسبب الغلاء ورفع أسعار تذكرة المترو.
لكن ومن خلال استخدامي لهذه الوسيلة لمدة شهر استطعت أن ألمس سلوك هؤلاء «الشقيانين» الذين لم يفعلوا شيئا لأشعر بالتعاطف معهم فبداخل المحطات نادرًا كنت أتعثر بأحد المحترمين.
في مترو الأنفاق لن تجد من يحترم الطابور، بل لن تجد طابورًا تقف فيه من الأساس، والحصول على تذكرة يعود لمدى لياقتك البدنية وتحملك للضرب وسلاطة لسانك وحصيلتك اللغوية في الشتائم البذيئة.
فإن كنت واقفا في دورك سيدفعك أحدهم عنوة ليقف مكانك أو يسبقك دون احترام أو اعتبار كونك رجلا أو امرأة، ناهيك عن ما يحدث فوق السلالم الكهربائية من التدافع الشديد والتلاصق، والركض فوقها، مع أن هناك سلالم عادية لمحبي الركض يستطيعون استعراض قوتهم الجسدية بدلا من تعطيل الآخرين وتخريب ما أنفقت عليه الدولة.
حسنا.. شاء الرب أن تصل إلى الرصيف منتظرًا القطار، ستعاني معاناة أخرى مع أولئك الذين يتدافعون على الأبواب دون احترام الأماكن المخصصة للطلوع والنزول، بل أنك ستفاجأ بأن هناك من يمنعك من نزول محطتك، ليضربك ويسبك ولا يفسح لك كي تنزل.
لو كنت من عشاق متابعة تصرفات الناس ستشاهد نسبة كبيرة من المراهقين يتسابقون على المقاعد ويرفضون منح كبار السن فرصة للجلوس واستثني طبعًا بعض المحترمين وذوي القلوب الرحيمة الذين أشاهدهم كثيرًا وهم يساعدون الحوامل وكبار السن.
لا تستغرب لو فوجئت بنفسك وقد اختل توازنك وسط عربات المترو، فهناك من يفضل أن يجلس على الأرض غير عابئ بما سيحدث عندما يسقط الآخرين فوق بعضهم بسببه ثم يتساقطون فوق رأسه.
لو تجولت بنظرك قليلا ستشاهد بعض المشاحنات والباعة المتجولين الذين يحملون قففًا يبيعون أشياًء رخيصة ويتسببون في عرقلة الراكبين.
لا تستغرب لو شاهدت الناس تركض من أبواب المترو نحو السلالم أو يأتي أحدهم من خلفك يدفعك ليقف أمامك مستعجلًا، على الرغم من أن الجميع يخرج في وقت واحد وليس هناك داع لاستفزاز الناس.
نعود مرة أخرى للممرات والسلالم غير المنظمة والتي يصطدم فيها الخارجين والداخلين نحو رصيف المحطة وبوابات الخروج حيث لم تخصص ممرات وسلالم لكل مجموعة.
العاملين في المترو ويبدو أنهم قد فقدوا قدرتهم على السيطرة لا يستطيعون تنظيم الركاب.
دعك من المترو ونعود لأمثلة عن التصرفات الغريبة التي يقوم بها البعض وهم يتحدثون عن الأدب والاحترام.
مشكلة الغسيل أزلية في مصر تحدث عنها الرئيس الراحل أنور السادات، لكنها تطورت مع مرور الزمن وأصبحت مختلفة..
فإذا كنت تعيش في مصر لا يمكنك نشر غسيلك دون غطاء حتى لا يتسخ بسبب قشر اللب!
نعم فجارك الذي يسكن أعلى شقتك لن يهتم بغسيلك وهو "يقزقز اللب" وسيكون حظك أسودا لو استيقظت لتأتي بملابسك من على حبال الغسيل تنفضها من قشر اللب الذي سيتساقط على زجاج سيارة أحد الجيران أيضا، بينما تتجول بنظرك قليلا فتشاهد جارك وهو في شرفة منزله بملابسه الداخلية يطبّق ما قرأ عنه في الحريات.
نعود للشوارع..
لو كنت تملك سيارة خاصة ستلمس عدم النظام في الشوارع، وستتعرض لمن يكسر عليك الطريق، ثم يقذفك بالشتائم، وستشاهد من يخترق قوانين المرور، أو المشاة الذين يعبرون الطريق فجأة، أو سيارات بلا لوحات لأن مالكيها من ذوي السطوة والنفوذ.
وعليك أن تنتبه وأنت تعبر الشارع مترجلا فلا تكفي نظرة في اتجاه السيارات فقد يباغتك موتسيكل أو توكتوك من حيث لا تحتسب.
التصرفات السيئة التي نتعرض لها يوميا في الشارع لا تعد ولا تحصى ما بين النفايات والتحرش والفوضى وإتلاف الممتلكات العامة وغياب الضمير لا يكفي مقالا لحصرها، لكنها تعود معظمها لفقدنا إلى ثقافة النظام، ولأنه لا يوجد مجتمع فاشل وغير منظم من تلقاء نفسه.
نحن بحاجة لإعادة النظر في مشكلة الأخلاق وارتباطها بالنظام والتربية والتعليم وخرق القانون والتي تعود معظمها للواسطة والفساد وغياب القوانين، نحن بحاجة إلى مجتمع جديد يقدر قيمة ممتلكاته ويحترم نفسه وجيرانه.
التعليقات