خالد بن الوليد ومقتلة بني جذيمة

خالد بن الوليد ومقتلة بني جذيمة
عقب فتح مكة بعث النبي صلى الله عليه وسلم سراياه لإخضاع القبائل المحيطة بها، وتدعوهم إلى الإسلام
دون اللجوء للقتال، ومن تلك السرايا كانت سرية دعويه على رأسها خالد بن الوليد إلى بني جذيمة.
وقد جاء خبر تلك السرية في (كتاب المغازي) من صحيح البخاري : "عن سالم عن أبيه قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره فقلت والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكرناه فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يده فقال اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين".
وأحداث القصة موجودة في كثير من  كتب السير والتاريخ بشكل أكثر تفصيلا وأوضح اكتمالا.. وتبعا لتلك المصادر فبني جذيمة بطن من قبيلة  كنانة، حين جاءتها تلك السرية ودعاها قائدها خالد بن الوليد إلى الإسلام كان ردهم أنهم مسلمون لكنهم لم يحسنوا التعبير والإبانة عن ذلك، لم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فقالوا: صبأنا صبأنا. 
في ذات الوقت هناك روايات أخرى تفيد بأنهم  أجابوا خالدا أنهم يشهدون الشهادتين، وأكدوا لخالد ومن معه بلسان واضح كما تشير تلك الروايات: "قد صلينا، وصدّقنا بمحمد، وبنينا المساجد في ساحتنا وأذنا فيها". 
وعندما سألهم خالد عن السلاح الذي في أيديهم والسبب الذي دعاهم إلى حمله، قالوا: إن بيننا وبين القوم من العرب عداوة فخفنا أن تكونوا هم فأخذنا السلاح، وهنا أمرهم خالد أن يضعوا ذلك السلاح ففعلوا واستجابوا للأمر دون تردد .
ثم أمر بهم خالد فأسروا وكتفوا وأمر بقتلهم، فقتل بنو سليم الذين جاءوا مع خالد من كان معهم من الأسرى، وامتنع المهاجرون والأنصار، وأرسلوا أسراهم، فلما بلغ النبي (ص) ما حدث حين جاءه غلام من القوم يقال له السميدع وأخبره بما فعل خالد، فقال له النبي :هل أنكر عليه أحد ما صنع؟ قال: نعم، رجل أصفر ربعة، ورجل طويل أحمر، فقال عمر: والله يا رسول الله أعرفهما، أما الأول فهو ابني (يقصد عبد الله) فهذه صفته، وأما الثاني فهو سالم مولى أبي حذيفة، فعند ذلك قال النبي: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، أي قال ذلك مرتين .
وفي روايات أنه تبرأ من ذلك ثلاثا .. ثم أنه صلى الله عليه وسلم في سبيل تصحيح هذا الخطأ الشنيع قد  أرسل عليا بن أبي طالب  - كما جاء في تاريخ الطبري وابن الأثير وغيرهما - وابن الأثير وغيرهما - ومعه مال وأمره أن ينظر في أمرهم، فأعطاهم دية الدماء والأموال حتى إنه ودى ميلغة الكلب، وبقى معه من المال فضلة فقال لهم: هل بقي لكم مال أو دم لم تدفع ديته؟ قالوا لا، قال: فإني أعطيكم هذه البقية احتياطا لرسول الله صلى الله عليه وآله ففعل ثم رجع فأخبر النبي صلى الله عليه وآله فقال: أصبت وأحسنت.
وقد تباينت القراءات وردود الأفعال تجاه موقف خالد هذا، فبينما حاولت النظرة التقليدية تبرئة خالد التامة من الإدانة باعتباره فعل ذلك متأولا، ويمكن إيجاز رأي أصحاب هذا الإتجاه فيما ذكره ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري.. شرح صحيح البخاري) : "وأما خالد فحمل هذه اللفظة - أي صبأنا- على ظاهرها، لأن قولهم صبأنا أي خرجنا من دين إلى دين، ولم يكتف خالد بذلك حتى يصرحوا بالإسلام وقال الخطابي: يحتمل أن يكون خالد نقم عليهم العدول عن لفظ الإسلام، لأنه فهم عنهم أن ذلك وقع منهم على سبيل الأنفة ولم ينقادوا إلى الدين فقتلهم متأولا قولهم" .. وإضافة إلى إشكالية التعامل مع كلمة (صبأنا ) واستقبال خالد لها، فإن من يعتقدون بأن خالد قد قتل من قتل من بني جذيمة متأولا، يضيفون إلى ما سبق أنه لم يكن مطمئنا لحقيقة إسلامهم، لأنهم لم يلقوا السلاح، حيث كانوا قد خشوا منه الاقتصاص منهم، وهذا التعلل الثاني يقترب كثيرا مما وقع فيه أسامة بن زيد عندما قتل من أقر أمامه بالشهادة في القصة المعروفة.
لكنا هنا يظل السؤال: حتى لو افترضنا أن بني جذيمة لم يعلنوا إيمانهم ولم يصرحوا بإسلامهم، فهل في ذلك ما يدعوا لتصفيتهم وإعمال القتل فيهم بلا ذنب أو جريرة؟
 وهناك في الإتجاه المعاكس وجهة نظر ترى أن ما حدث من خالد هو جريمة من جرائم الحرب ، وكان دافعه في ذلك دافعا شخصيا ، حيث أنه قد فعل ذلك انتقاما وأخذاً بحقه من بني جذيمه الذي قتلوا عمين له في أيام الجاهلية .
وسواء كان المسألة شخصية أم لا ، إلا أنه ينبغي التنبه إلى أنه حتى لو صح الافتراض بأن خالد بن الوليد قد اقتص في تلك السرية لمقتل عميه ، فإن هذا شرعا وفقها لا يجوز ، فالقاعدة أن كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع وساقط بالإسلام ، وأن الإسلام يجُبّ ما قبله ، وأن خالد هنا بين أمرين : إما أن يكون قليل الفقه ومن ثم نستطيع أن نفهم عدم اقتصاصه صلى الله عليه وسلم لبني جذيمة منه ،  أو أنه قد تعمد مجاوزة ما حدده له النبي (ص) من الدعوة إلى الإسلام .
 
وفي كل الأحوال ، فخالد مع صحبته ومع  ماله من مكانة إلا أنه في النهاية يبقى بشرا غير معصوم ، لا من الخطأ ولا من التجاوز. 
وللشيخ ابن تيميه كلام قريب من هذا الموضوع ، أورده في كتابه ( السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية)  تحت عنوان : قلة اجتماع الأمانة والقوة في الناس ، يقول فيه بالحرف : 
"اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: اللهم أشكو إليك جلد الفاجر، وعجز الثقة، فالواجب في كل ولاية، الأصلح بحسبها. فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة، والآخر أعظم قوة، قدم أنفعهما لتلك الولاية: وأقلهما ضررا فيها، فيقدم في إمارة الحرب الرجل القوي الشجاع، وإن كان فيه فجور فيها، على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أمينا، كما سئل الإمام أحمد: عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزو؟ فقال: أما الفاجر القوي، فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه، لنفسه، وضعفه على المسلمين، فيغزي مع القوي الفاجر. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {: إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر} وروي {بأقوام لا خلاق لهم}. فإذا لم يكن فاجرا، كان أولى بإمارة الحرب مما هو أصلح منه في الدين، إذا لم يسد مسده" .
 
ويواصل ابن تيميه كلامه الذي جعل البعض يعتقد أنه يدين خالد بن الوليد ، بل وربما يكاد يصفه بالفجور حين يقول :   
"ولهذا {كان النبي صلى الله عليه وسلم، يستعمل خالد بن الوليد على الحرب، منذ أسلم، وقال: إن خالدا لسيف سله الله على المشركين} مع أنه أحيانا كان قد يعمل ما ينكره النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إنه - مرة - رفع يديه إلى السماء وقال: {اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد}. لما أرسله إلى جذيمة فقتلهم، وأخذ أموالهم بنوع شبهة، ولم يكن يجوز ذلك، وأنكره عليه بعض من معه من الصحابة، حتى وداهم النبي صلى الله عليه وسلم وضمن  أموالهم، ومع هذا فما زال يقدمه في إمارة الحرب؛ لأنه كان أصلح في هذا الباب من غيره، وفعل ما فعل بنوع تأويل" .
 يتبقى في تلك السطور أن نسأل سؤالا مشروعا : هل يستطيع أي شيخ أو عالم من شيوخ وعلماء عصرنا أن يتبرأ مما فعله خالد بن الوليد كما تبرأ منه النبي (ص) ؟ 
وهل يستطيع أحد منهم أن يتجاسر ويعلن على الناس أن هذا الصحابي الجليل شأنه شأن بقية الناس ، إذ أنه بشر قبل أن يكون صحابيا ، وأن بشريته تلك ولا حتى صحبته لا تكون حائلا أبدا لأن يعتريه ما يعتري البشر من نقص وخطأ وتجاوز للحدود والأحكام .. وأن خالدا على  إيمانه وعظمته وشخصيته العبقرية الآسرة ، إلا أنه كان له منطق متسرع في القتل ،هذا المنطق الذي جعل عمر بن الخطاب يقول يوما لأبي بكر " إن في سيف خالد رهقا" .. وهو هو نفس المنطق الذي تجلى أيضا في تلك الرواية التي أوردها البخاري في صحيحه حين ذكر حادثة إرسال علي بن أبي طالب إلي النبي (ص) بشئ من الذهب جمعه من اليمن فقسمه النبي (ص) إلي أربعة أقسام وزعها علي عدد من الصحابة دون بقيتهم فاعترض واحد منهم قائلاً: " كنا أحق بهذا من هؤلاء" فبلغ ذلك النبي فقال "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءً" ، فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة كث اللحية، ليخاطب النبي بوقاحة : "يا رسول الله اتق الله" فقال:" ويلك أولست أحق الناس أن يتقي الله" فذهب الرجل من المجلس ولكن خالد بن الوليد الذي كان حاضراً للموقف قال للرسول " يارسول الله ألا أضرب عنقه» فقال الرسول : "لا لعله أن يكون يصلي"
 فيرد خالد :" وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه" ، فيرد النبي (ص) مستنكرا : " إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولأشق بطونهم ".
كم كنت أتمنى أن يكون منطق خالد هو منطق النبي ، ولكن لله في خلقه شؤون . 
التعليقات