«حافة الكوثر».. مكتئب يبوح بألمه ليشفى فيصنع رواية لافتة

«حافة الكوثر».. مكتئب يبوح بألمه ليشفى فيصنع رواية لافتة

 

 
◙ من النسخة الورقية
 
يطلق الكاتب والشاعر على عطا سطور روايته الأولى «حافة الكوثر» وسط حالة من الغناء والبكاء، ووفق ما تجود به الطوايا وتعطيه السجايا لشخص يريد أن يبوح بعد طول صمت، وفى ظل رغبة فى أن تكون الكتابة جسرا للعبور من الشقاء إلى الراحة، وهو فى كل هذا يبدو متحررا، فى مساحة سردية مفعمه بالشجن، من كثير من القيود التى درج عليها الفن الروائى التقليدى، ومتنقلا فى الأمكنة، وراحلا فى الأزمنة، ليرسم فى نهاية المطاف ملامح عالم ليس بمألوف عن آثار مرض «الاكتئاب» تمتزج فيه التجربة الذاتية بالوعى العام، والألم بالأمل، والخبرة بالرغبة، والاستسلام بالإرادة، وينيخ الماضى بثقله على الحاضر.

 

تحكى لنا الرواية ببساطة حكاية رجل، ضغطت تصاريف الحياة وأقدارها المقبضة على نفسه، ولم يكن يمتلك القدر الكافى من المقاومة، فانهار وغرق فى اضطراب شديد، فما كان له من سبيل سوى دخول مصحة نفسية حتى يستعيد توازنه، حيال إخفاقاته وإحباطاته سواء على مستوى حياته الخاصة، أو ما آلت إليه الأوضاع العامة، حين تعثرت ثورة يناير فى وحل التشويه والاستقطاب والفساد وبقاء الاستبداد حيا.
فها هو بطل الرواية وساردها الأساسى يتحدث إلى صديق حميم يعيش بعيدا عنه، لكنه يستريح حين يبوح له فى غيابه، قائلا: «حين ألمحت إليه بما يقال، وحدثته عن شوقى وحاجتى إلى وجوده المادى، هنا، حيث أكابد وحدى الاضطراب النفسى، والرغبة الملتبسة والملحة فى كتابة ما جرى لى وللثورة، اكتفى برسالة قصيرة بعث بها عبر الإيميل فى مهجره، أو منفاه».
فى الحياة الخاصة تتوالى تفاصيل عيش طفل وجد نفسه مضطرا للقيام بعمل شاق من أجل تحصيل القوت، ثم مراهقا يتطلع إلى حياة مختلفة، وشابا يهزه طموح عال للتحقق فى عالم الكتابة، ويتجاوز ما كان عليه بعض الأصدقاء الذين يعرفهم عن كثب، مثل هذا الذى اقترب من الثمانين ويضج بشكوى الإهمال والتجاهل، وذلك الشاب الذى يشكو من عدم تقدير ما يكتبه بجائزة تنتشله من فقر مدقع، لكن البطل لا يكفيه ما يصدره له هؤلاء من أسباب للقنوط، بل يجد نفسه موزعا بين الرغبة والقدرة وسط حياة شخصية معذبة بين امرأتين، تنتظر كل منهما ما تأخذه منه.
لكن الراوى، وبطل الرواية، لا يكتفى بذكر أطراف عدة من حياته الخاصة بل من حيوات آخرين عرفهم فى المصحة، جميعهم ضحايا الظروف القاهرة الكاسرة، حتى لو تعددت الخلفيات المهنية والثقافية، وكلهم يبحثون عن ألفة بأى شكل، حتى إنهم صاروا يعتبرون المصحة التى دخلوها بحثا عن شفاء وطنا بديلا: «هل يمكن يا الله أن يصبح الكوثر وطنا بديلا لناسه الوافدين إليه رغما عنهم من كل حدب وصوب. هو بات كذلك بالفعل، ولا بديل له إلا شوارع لا ترحم ساكنيها».
ربما ينظر إلى هذه الرواية بأنها وسيلة للشفاء فعلا، وطالما سمعنا عن العلاج بالكتابة أو الموسيقى، فصديق البطل يدرك هذا ويقول له فى رسالة بعث بها إليه: «أنت إذن تدرك ما الجوهر، فالأمر ليس مجرد ولع بشهرة، أو وسيلة للارتقاء الاجتماعى، بل هو الكتابة كموقف من العدم، أو كما تشير أنت متماهيا مع خاتمة رواية إيزابيل الليندى: (صور عتيقة) خلاص للذات عبر الكتابة فاكتب»، وحين أخذ الراوى بالنصيحة كان هذا العمل المختلف.
فى الرواية اقتباسات من أشعار وحكايات ومعلومات عن أمراض وأدوية ومصحات ومستشفيات وكتب وأسماء روايات ورسائل بريدية وإلكترونية، وهناك أحداث وحوادث ووقائع عن الحرب والثورة والسياسات القائمة والصورة التى تلوح للمستقبل وتصاريف الماضى البعيد، وكل هذا مبثوث فى ثنايا السرد بنعومة واختزال وحذر، عبر سرد عارم أحيانا ومقاطع ملقاة فى الطريق أحيانا، وبلغة بسيطة آسرة تذكرنا بالطريقة التى كان يكتب بها إبراهيم أصلان، الذى تأتى الرواية على ذكر اسمه، ليس فقط لأن بطلها كان على علاقة به لعملهما معا فى جريدة عربية كبرى، بل أيضا لأنه معجب بأسلوبه فى الكتابة، وهى مسألة لم يخفها المؤلف نفسه حتى وهو يبدع أشعاره التى نشرها فى دواوين ثلاثة هى «على سبيل التمويه» عام 2001 و«ظهرها للحائط» عام 2007 و«تمارين لاصطياد فريسة» عام 2013.
يتقاسم البطولة فى هذه الرواية الاضطراب النفسى والراوى العليم أو الذات الساردة، فيمنح كل منهما فرصة البوح والمعنى والدور للآخر، فبينما يتمكن الراوى من سرد تفاصيل صغيرة تبدأ بالطفولة الغضة وتنتهى عند باب الكهولة، يرسم الاضطراب على توحشه ملامح المكان، ومدى الرؤية، وصورة المواقف على اختلافها، وتصرف الشخصيات الثانوية أو العابرة على تنوع علاقتها بالبطل، وكل الإجراءات والتدابير التى تستلزمها رحلة العلاج، التى لم تطل فى الزمان، لكنها تعمقت داخل نفسية الراوى والبطل، ومنحته نافذة يرى منها الحياة بطريقة مختلفة عن تلك التى ألفها قبل أن يقع فى فخ الاكتئاب العارض.
ويمكن النظر إلى هذه الراوية باعتبارها أشبه بسيرة ذاتية لبطلها وراويها وكاتبها «حسين جاد»، لكن الأمر يتعدى هذا إلى خاصية باتت متكررة، لدرجة أنها صارت ظاهرة، فى الأعمال الروائية الأولى لأغلب الكتاب، إذ يجد الكاتب فيها نفسه مغرقا فى ذاته ولذاته، وقد يدفعه هذا إلى كتابة كل شىء عن نفسه، لأنه يستدعى ما يعرفه، ويريد أن يسطر كل ما يخصه، مدفوعا بنداء داخلى، لاسيما إن كان يمارس عملية البوح والاعتراف بحرية أو عفوية. وهناك من يفارق هذه المرحلة ليرى حكايات الآخرين، ويوجد من يظل حبيس جدران نفسه لا يبرحها، فيصل إلى طريق مسدود.
وبغض النظر هنا عما إذا كان الكاتب يساير الآخرين عبر كتابة نفسه فى عمله الروائى الأول أم أنه سطر لونا من أدب الاعتراف، فإن الراوية تنطوى فى حد ذاتها على شجاعة، إذا أحلناها، أو فسرنا مضمون نصها، فى ضوء أحاديث وتصريحات واعترافات الكاتب نفسه عما كابده من أحزان قاتمة دفينة قبل أن يشرع فى كتابة هذا النص وأثنائه، فى مقطوعات نشرها على صفحته بموقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك»، أو نشرها فى بعض الصحف، فلاقت إعجابا وإقبالا وتشجيعا من كثيرين فى مقدمتهم صديقه أو صديق البطل المهاجر إلى ألمانيا والذى أسماه «الطاهر يعقوب» الذى طلب منه أن يكمل ما بدأه، وهو ما عكف عليه فكانت هذه الرواية.
ولا تقف الشجاعة عن حدود الحديث عن الحالة النفسية السيئة لبطل الرواية إنما أيضا بعض ما يعتور أسرته، حيث الأب الذى يعمل بائعا متجولا ويدمن الأفيون والحشيش، وحين يموت يدفن فى مقبرة مكتوب عليها: «صدقةٌ جاريةٌ لمن لا يمتلك قبرًا. تبرُع مِن الحاج السيد الشناوى»، وكذلك ما يحيط بتلك الأسرة حيث نجد واقعة «زنا محارم»، وحالة عامة من التيه والضياع والشعور الدفين بالاغتراب والعجز، تجسده تلك العبارة التى يقول فيها الكاتب: «تقول الأسطورة العائلية إنها بقيت شهورًا قبل موتها لا تأكل ولا تشرب، ولا تتغوط أو تبول، وصمتت تمامًا، ثم فجأة توقف قلبها عن النبض، فحملناها إلى مقبرة عائلتها فى باب النصر، لترقد إلى جوار زوجها الذى أذاقته الأمرَّين بتقلبها المزاجى الحاد، حتى سبقها إلى الموت بسنوات طويلة، فدفنته فى مقبرة عائلتها، ثم ألحقت بها ابنها الأصغر؛ عمى فارس، الذى طالما دلَّلته، حتى اندمج مع رفاق علَّموه النشل، فترك صنعة عُلَب الكرتون، وسرعان ما اعتلَّ قلبه، ربما من كثرة التردد على أقسام الشرطة، ما عجَّل بوفاته وهو فى ريعان شبابه، دون أن يهنأ بزوجةٍ سوى لأيام قليلة».
إننا أمام رواية لافتة، ليس فقط بموضوعها ومضمونها وشجاعة الطرح الذى تنطوى عليه إنما أيضا بسلاستها وتدفقها وقدرتها على ملامسة شغاف القلوب، وسط حالة من التعاطف مع التوسل بالكتابة فى سبيل تخفيف أزمة نفسية تكاد أن تجهز على كيان البطل، وتقضى على ما أنجزه وما يأمله، وما يعوله عليه الآخرون من دور فى عالم الإبداع الأدبى ومهنة الصحافة بوجه عام، ليس هو فحسب بل أيضا أبناء الطبقة الوسطى التى صنعت ثورة يناير، وكانت طليعتها وأغلب جمهورها، فوجدنا كثيرين منهم يحيطون ببطل هذه الرواية ليس فقط فى «ميدان التحرير» فقط إنما فى «مصحة الكوثر» أيضا، وفى المكانين صاروا على حافة الخطر، لاسيما فى ظل الوضع الاقتصادى الصعب الذى تعيشه مصر حاليا.
التعليقات