فتاة السوبرمان

فتاة السوبرمان

 

كنتُ في الثانية عشرة وكانت هي في الثالثة عشرة من عمرها. كانت هي فتاتي، وكانت هناك الكثير من الحواجز التي يمكن أن تقف في طريق سعادتنا، لكني كنت على استعداد كي أتحدى العالم والمجتمع والناس وأتزوّجها.

اسمها نهلة ماجد عوض صالح. لازلت أحفظ اسمها الرباعي حتى الآن. زميلتي العزيزة في الفصل في مدرسة طلائع الغد الإعدادية المشتركة بحلمية الزيتون. كانت نهلة جديدة على فصلنا، فقد جاءت منقولة من مدرسة أخرى في منتصف العام الدراسي عندما انتقل أهلها من الفيوم للسكن في القاهرة. منذ اللحظة الأولى التي دَلَفَت فيها إلى الفصل استولت على عقلي وتفكيري. منذ تلك اللحظة لم أعد أستطيع التركيز في شرح المعلّمين فقد كنت مشغولا باختلاس النظر إليها طوال الوقت.

سرعان ما تعرّفت عليها وتوطّدَت علاقتنا. كنت المتطوّع الدائم لمساعدتها لتحصيل ما فاتها من دروس، كما كنت أدافع عنها دوما ضد باقي الطلبة الذين كانوا يسخرون من لهجتها الريفية وطريقتها في الكلام. لكم خضتُ من شجارات من أجلها، وجّهتُ الكثير من اللكمات وتلقيتُفي المقابل الكثير من الركلات.

كنت قد قرّرت بيني وبين نفسي أنني لابد وأن أتزوّجها، لكن كانت هناك تحديات ثلاث ستواجهنيلتحقيق هذا الهدف. أولا فرق السن الذي لا يقبله المجتمع فقد كانت أكبر مني بسنة كاملة. الثاني فرق الطول بيني وبينها فقد كانت أطول مني قليلا، وإن كنت آمل أن أتمكن من تعويض الفرق بممارسة بعض الرياضة البدنية وتناول الكثير من الكالسيوم والبروتينات. المشكلة الثالثة كانت لون بشرتها الداكن، وأنا كنت قد تعلّمت من تمثال العريس والعروس الذي كان يزيّن جميع الصالونات المصرية في ذلك الوقت أن بشرة العروس يجب أن تكون فاتحة أكثر من بشرة العريس. تلك التحديات الثلاث لم تكن لتثنيني عن عزيمتي بل بالعكس، كانت دافعا أكبر لي لتحقيق مأربي والزواج منها. كنت أريد أن أضرب كل معتقدات ذلك المجتمع المتخلف في مقتل. لن يهمني شيء. لا رأي أهلي ولا أهلها ولا رأي الناس أو نظرتهم. ليس لأي أحد أن يمنح نفسه الحق في الحكم علينا وتقرير مصائرنا.

تغلّبت نهلة على الكثير من الصعاب التي واجهتها بعد الانتقال إلى القاهرة. مرت أسابيع قليلة ولمتعد تلك الفتاة المنزوية المنطوية على نفسها والتي لا تكلم أحدا. حتى لهجتها الريفية تخلصت منها سريعا وصارت تتكلم كأهل القاهرة. لن أكون متفاخرا عندما أقول أنه كان لي فضل كبير في كل هذا. لقد كنت صديقها الوحيد قبل أن تأخذ في الاعتياد على الجو العام في المدرسة وتبدأ في تكوين صداقات أخرى. كنت أحبها حقا. لم أكن أدّخر أي جهد لمساعدتها في أي شيء تحتاجه. لقد بلغ حبي لها مبلغا حدا بي لأن أُقرضها مجموعتي الخاصة من مجلات سوبرمان، والتي كنت أعتزّ بها جدا ولا أقبل أن يلمسها أحد. كنت أشرد بالساعات متخيلا نفسي سوبرمان وهي فتاتي رنده. كنت أحملها بين ذراعيّ وأطير بها لأريها كيف تبدو المدينة من فوق. ستشعر بالخوف ونحن نطير عبر السحاب والريح تضرب وجهينا وتطيّر حرملتي الحمراء، وسيدفعها هذا للتشبث برقبتي أكثر. ستحبني لا لقدرتي على الطيران أو لقواي الخارقة الأخرى، فهي لم تكن تعرف عنها شيئا في البداية، ولكنها ستحبني لأنني أنا. لكم كان هذا الحلم ينعشني ويملؤني بالنشوة. ظلّت مجموعة المجلاتعندها لأسابيع قبل أن أتجرأ وأسألها عنها أخيرا، فقالت لي أنها لم تقرأها وأنها غير مهتمة بسوبرمان وأنها لا تحب القراءة أصلا. الأمر الذي حطم قلبي وأحزنني كثيرا.

برغم ذلك استمررت في التخطيط لحياتنا القادمة. كنت أفكر فيها كثيرا جدا حتى أنني كنت قد استقررت على المكان الذي سنسكن فيه وعلى أسماء ابننا وابنتنا، فقد كنت أنوي الاكتفاء بطفلين فقط: ولد وبنت، وذلك كي لا أساهم في الانفجار السكاني ولا أزيد الأعباء على البلاد.

كان العام الدراسي يوشك على الانتهاء ولم أكن قد صارحتها بعد بأي من خططي. هل لم تكن تعرف أو حتى تشعر بأننا قد خُلقنا لبعضنا البعض؟ وأن زواجنا هو أمر محتوم لا فكاك منه؟ وأن حياتنا المشتركة القادمة مسطورة منذ الأزل في كتاب الكون؟

آه يا نهلة! لكم تشاجرت مع أهلي في خيالي من أجلك! لكم شرحت لهم مرارا وتكرارا أن فرق السن أو الطول أو لون البشرة لن يصنع أي فارق لصنع حياة متكافئة وسعيدة. لكم فنّدتُ لهم كل حجج ذلك المجتمع الرجعي الذي نعيش فيه والذي يتحكم في حيواتنا بغير وجه حق. كنت على استعداد أن أحارب على كل الجبهات حتى أفنى أو أنتصر.

كنت أنوي مصارحتها بخططي كلها في اليوم الأخير من امتحانات السنة الدراسية. بمجرد أن أضع القلم وأسلّم الورقة للمراقب كنت سأخرج لأنتظرها على باب المدرسة. ستخرج هي وستجدني واقفا وسأصارحها بكل شيء. ربما لن أكون محتاجا لأتكلم هي تشعر بي وستفهم كل شيء من نظرة عينيّ، لكن ربما لا تزال تحتاج مِني إلى كلمة واحدة لتتأكد بها من حبّي وإخلاصي. سترتمي في حضني، وربما سأضطرّ إلى أن أشبّ بقدميّ قليلا كي أجاري طولها وأنا أحتضنها وأدور بها أمام الباب معلنا حبّنا للجميع. َ

في ذلك اليوم أنهيتُ امتحاني وخرجتُ لأنتظرها، لكني وجدتها قد أنهت امتحانها قبلي ووَقَفَتْمع صديقاتها تتبادلن الحديث أمام الباب. وقفتُ خلفها منتظرا كي تنتهي من الحديث. سمعتُها تقول لهن أن أسرتهاستعود إلى الفيوم في الغد وأنها ستعود إلى مدرستها القديمة هناك بدءا من العام الدراسي القادم. شعرتُ بقلبي يهبط بين قدميّ. أعرَبَت صديقاتها عن حزنهن لسماع هذا الخبر وإن كن قد تمنين لها التوفيق دائما. وَدّعَتْ صديقاتها وقبّلتهن، وبينما تقبّل آخر واحدة منهن التقت عيناها بعينيّ. انحنتْ والتقطتْ حقيبتها من الأرض ومضتْ مبتعدة. لم تفكّر حتى في أن تسلّم عليّ أو تودّعني.

لا أدري كم من الوقت ظللت واقفا مسمّرا في مكاني بعد هذا الموقف، حتى حسبتُ أنا نفسي أنني أصبتُ بالشلل. لا أعرف كيف تمكنتُ بعد ذلك من تحريك رجليّ وكيف وصلتُ إلى البيت. لا أذكر كيف أكلت أو شربت أو نمت أو عشت بعدها، بعد أن تبخرت أحلامي وحياتي ذاتها في لحظة واحدة.

على العموم لقد كان كل هذا قبل وقت طويل جدا، قبل أن أتعرّف على ميرنا مجدي عبيد الرفاعي.

 

التعليقات