النهاية المأساوية للمتوكل

النهاية المأساوية للمتوكل

تناولت في مقال سابق لي شخصية الخليفة العباسي العاشر المتوكل ، وكان تركيزي محددا حول التباين الواضح بين نظرتين ، نظرة ترى أن الرجل خليفة لا نظير له في نصرة الدين والدفاع عن السنة ، ونظرة أخرى تراه رجلا لاهيا مجترئا على الدماء متهما بمعادة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم .

و كنت قد أوردت رواية الذهبي حول ما فعله المتوكل بشيخ العربية يعقوب بن إسحاق بن السكيت ، النحوي الكبير مؤلف كتاب " إصلاح المنطق "، وهنا أحب أن أستكمل الموضوع برواية أخرى  لابن تغري بردى في (النجوم الزاهرة) جاء فيها أن ابن السكيت - قال له (المتوكل) يوما: أيّما أحب إليك: ولداى المؤيد والمعتز أم الحسن والحسين أولاد علي؟ فقال ابن السكيت: والله إنّ قنبرا خادم علي خير منك ومن ولديك؛ فقال المتوكل : سلّوا لسانه من قفاه، ففعلوا فمات من ساعته.

وحسب هذه الرواية فإن خليفة المسلمين المتوكل قد أمر بإخراج لسان يعقوب بن السكيت من قفاه! وبالطبع كانت النتيجة موت العالم اللغوي الكبير.

إن صحت تلك الرواية بهذا التفصيل ، فإن المتوكل يكون بلا أدنى شك مرجعا ومرشدا لداعش ، وربما كان في ذلك ظلم لداعش الذي لم يصل خياله حتى الآن إلى ارتكاب مثل هذا العمل الشاذ رغم ما مارسه من شذوذ في القتل والتعذيب والتمثيل بالجثث .

المشكل الكبير، أن من ينتقدون المتوكل لظهور بعض ملامح النصب والتعصب ضد آل البيت ، ومعهم أيضا في ذات الصف من يرتفعون بالرجل إلى قمة المجد باعتباره ناصر السنة الذي رد الاعتبار للإمام أحمد بن حنبل، كلا الفريقين.

للأسف لم يكن لهما موقف محدد وحاسم من تجاوز المتوكل في مسألة تتصل اتصالا مباشرا بما هو معروف ومعلوم بالضرورة تحت مسمى ( حقوق الإنسان ) ، فبينما انشغل فريق بالعداء لآل البيت انشغل الآخرون بنصرة السنة ، والنتيجة أن يقتل رجل في قامة ابن السكيت دون أن يتضامن معه أحد أو تستنكر جماعة إهدار دمه دون ذنب أو جريرة ، وهكذا تقتل الحرية وتغتال حقوق الإنسان .

وليس بعيدا عن هذا ما فعله المتوكل حين بجلد المحدث الكبير نصر بن علي ، ألف سوط .. و نصر هذا محدث مشهور من طبقة  أحمد وابن معين ، وكل جريمته التي استحق عليها مثل هذا العقاب القاسي  أنه روى حديثاً في فضل علي بن أبي طالب .

صحيح أن المتوكل قد رجع عن قراره هذا ، وفقا لما رواه الخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد)  بعد أن كلمه جعفر بن عبد الواحد؛ وجعل يقول له: هذا الرجل من أهل السنة، ولم يزل به حتى تركه!

لكن هنا - ورغم العفو الذي نثمنه ونقدره- نحن أمام أزمة كبيرة ، فرأس الدولة مشغول بتوصيف الأفراد هذا سني وذاك شيعي ويعاقب على ذلك ! وهناك أيضا دلالة لا تخفى على اللبيب وهي أن المحدثين كانوا يواجهون نوعا من الحصار وربما المنع التام من رواية أحاديث تتصل بآل البيت وفضلهم وفضائلهم !

أضف إلى ما سبق ، ما عرف عن المتوكل من شدته الجامحة في معاملة العلويين  ومناصبتهم العداء وتعقب أئمتهم والتضييق عليهم وتشويه صورهم،  فأثار ذلك ضده العامة وخاصة من العلويين والمتعاطفين معهم .

تحكي لنا كتب التاريخ أن المتوكل كان توريثيا بامتياز شأن من سبقوه من الخلفاء وكذلك من لحقوه ، فقد بايع بولاية العهد في سنة325هـ لابنه المنتصر ثم المعتز ثم المؤيد..

ومرت الأيام والسنوات وأراد المتوكل أن يعزل المنتصر من العهد ، ويقدم عليه أخاه  المعتز لمحبته لأمه فسأل المنتصر أن ينزل عن العهد فأبى فكان يحضره مجلس العامة ويحط منزلته ويتهدده ويشتمه ويتوعده ، وهنا اتفق المنتصر مع الأتراك على قتل أبيه ، وبالفعل تم اغتيال المتوكل في شوال247هـ .

وكان البحتري الشاعر المعروف في المجلس الذي تم فيه ذلك الاغتيال، فثارت عواطفه، فأنشأ قصيدة يرثي بها مولاه القتيل، ومنددا فيها بابنه ولي العهد الغادر المتآمر :

أكان ولي العهد أضمر غدرةً                  فمن عجب أن ولي العهد غادره

فلا ملك الباقي تراث الذي مضى             ولا حملت ذاك الدعاء منابره

المضحك أن المنتصر القاتل لأبيه سماه دراويش الخلافة والدجالين السياسيين منتصرا بالله ، ورفع على العرش بدلا

من التعليق على المشنقة أو الإيداع المؤبد في السجن ،

وليس هذا بدعا فى تاريخ الاستبداد السياسى ٬ ولكن الشيء الذي تتقزز له النفس أن يأتى شاعر مداح إلى هذا المنتصر بالله واسمه ‘ محمد بن جعفر ‘ ليقول له:

لقد طال عهدي بالإمام محمد

وما كنت أخشى أن يطول به عهدي

فأصبحت ذا بعد ودارى قريبة

فيا عجبا من قرب دارى ومن بُعدى

رأيتك فى برد النبي محمد

كبدر الدجى بين العمامة والبرد

 

يا لهول تلك الصاعقة ! - على رأي يوسف وهبي في الكوميديا الرومانسية ( إشاعة حب ) - أصبح القاتل خليفة ، ليس هذا فقط بل وصار أيضا بدرا للدجى !

لم تدم خلافة المنتصر طويلا ، فلم يهنأ بمقعده فيها أكثر من ستة أشهر، بعد أن أصابه مرض الموت .

في (لطائف المعارف ) للثعالبي  : ومن العجائب أن أعرق الأكاسرة في الملك ـ وهو شيرويه ـ  قتل أباه فلم يعش بعده إلا ستة أشهر. وأعرق الخلفاء في الخلافة ـ وهو المنتصر ـ قتل أباه فلم يمتع بعده سوى ستة أشهر".

وقد تندم المنتصر على غدره بأبيه واشتراكه مع الأتراك في تصفيته وإنهاء حياته ، وقد عبر ندمه هذا في كلماته الأخيرة لأمه حبشية الرومية : " ذهبت والله مني الدنيا والآخرة ، عاجلت أبي فعوجلت" .

وسبحان من له الملك و الدوام .

التعليقات