تاتا.. خطِّي السبعين

تاتا.. خطِّي السبعين

 

كان ذلك فى عصر أحد الأيام من عام 2014، وكنت فى مصنع الحديد والصلب بحلوان، أقوم بتصوير تحقيق تليفزيونى عن أسباب توقف هذا المجمع الصناعى العملاق، عندنا هاتفنى الشاعر الكبير سيد حجاب معلقا على حوار تليفزيونى أجريته معه على قناة سى بى سى، وأبلغنى وقتها أن ردود الأفعال على الحوار قوية وذلك من خلال اتصال عدد كبير من أصدقائه ومريديه من دول كثيرة.

بدأت علاقتى بالشاعر الكبير قبل ذلك بفترة، وأذكر وقتها أن دعانى لزيارته بمنزله بالمعادى، ذهبت إليه متوقعا إقامته بإحدى فلل الحى الراقى، لكن وجدتنى أصعد سلالم إحدى العمارات السكنية حتى وصلت إلى شقته بالدور الرابع إذا لم تخوننى الذاكرة، استقبلنى ببشاشة وجهه وابتسامته العريضة ودخلت صومعته داخل الشقة وأعنى غرفة مكتبه الذى يقبع فى منتصفها، مكتب كلاسيكى أنيق.

لا يتجاوز حجم الغرفة 16 مترا إجمالا من شقة لاتزيد مساحتها الإجمالية على 170 مترا، عندها وجدتنى أسأله: ياعمنا.. هى دى اللى طلعت بيها من الدنيا، شقة صغيرة بهذا الحجم، طيب صاحبك جمال الغيطانى صحفى وظروفه الاقتصادية معروفة لكنك الشاعر الكبير وصاحب الأعمال العظيمة والمؤكد أن إيراداتها كانت لاتقل عظمة، قلتها مبتسما.

عادت الابتسامة إلى وجه شاعرنا الكبير بعد أن أنصت لى طويلا وقال بايجاز: اسمع ياخير.. لو كنت ماقلتش لأ على حاجات كتيرة زمن مبارك وماقبله، كان زمانك قاعد دلوقتى فى الفيلا اللى إنت قلت عليها، وقتها حكى لى شاعرنا الكبير الكثير عن علاقته بنظام مبارك وماسبقه من حكم، وأنه كان يعتز بنفسه وشعره ولايقبل مثل آخرين أن يكون واحدا فى طابور طويل من المهللين.

أذكر فى أثناء أحد حواراتى معه بالإذاعة أن اشترط على ألا أذكر سيرة شاعرنا الكبير عبد الرحمن الأبنودى بسبب خلافات كبيرة بينهما وهو لايريد أن يذكره خيرا أو سوءا، احترمت رغبته فى حذف تلك الأسئلة لكن لم يمنعنى فضولى الصحفى أن أعرف منه قصته وسر غضبه من الأبنودى وحكى لى الكثير عنها، لكن لأنه ائتمننى عليها كما أنهما الآن فى رحاب الله؛ فلن أذكر شيئا.

كان الراحل الكبير جمال الغيطانى صديقا مشتركا للأبنودى وحجاب وأذكر فى أحد لقاءاتى بالغيطانى أن سألته: لماذا لم تحاول يا أستاذ جمال إجراء مصالحة بين الغريمين حجاب والأبنودى وهما الشاعران الكبيران، فقال: حاولت كثيرا لكن ما باليد حيلة، ورحل الثلاثة دون أن يجمعهم لقاءً واحدا.

أتذكر أن هاتفنى الكبير عبد الرحمن الأبنودى من مقر إقامته بالإسماعيلية وقال لى إنه شاهد حوارا لى مع الغيطانى وإنه أبلغ الغيطانى أنه أفضل حوار تم إجراؤه مع الأديب الكبير، وقتها شكرت الأبنودى واتفقنا على إجراء حوار طويل معه، وبدأنا فى ترتيب خطواته لكنه فارقنا دون إتمام ثلاثيتى الحوارية مع الغيطانى والأبنودى وحجاب.

مرت كل تلك التفاصيل بخاطرى وأنا مستمتع بالملحق الأدبى لأهرام الجمعة الذى خصصه لشاعرنا الكبير الراحل سيد حجاب ورائعته الشعرية الجديدة: تاتا تاتا..خطى السبعين، والتى كتبها على مدار خمس سنوات، وكشفت عنها أرملته بمناسبة ذكرى الأربعين لوفاته.

رحم الله العظماء الثلاثة وأبدلنا بهم جميعا كل الخير.

التعليقات