نظرة في الخلاف التاريخي بين بني هاشم وبني أمية

نظرة في الخلاف التاريخي بين بني هاشم وبني أمية

بنو أمية وبنو هاشم كلهم أبناء أب واحد، وأحفاد جد واحد، وهم أفرع ممتدة لشجرة واحدة . 

فإذا كان الهاشميون ينتسبون إلى هاشم بن عبد مناف ، فإن الأموييين  ينتسبون إلى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أي أنه في ( عبد مناف ) يلتقي الفرعان بنو أمية مع بني هاشم، وعلى العموم كان بنو عبد مناف يتمتعون بمركز الزعامة في مكة، لا يناهضهم فيه أحد من بطون قريش.. وجميع قريش تعرف ذلك وتقر لهم وتسلم برياستهم وزعامتهم .

يقول ابن خلدون في تاريخه : "كان لبني عبد مناف في قريش جمل من العدة والشرف لا يناهضهم فيها أحد من سائر بطون قريش: وكان فخذاهم بنو أمية وبنو هاشم هما جميعاً ينتمون لعبد مناف، وينتسبون إليه، وقريش تعرف ذلك وتسأل لهم الرياسة عليهم،إلا أن بني أمية كانوا أكثر عددا من بني هاشم وأوفر رجالاً، والعزة إنما هي بالكثرة ".

والروايات التي تناولت العلاقة بين بني أمية وبني هاشم كثيرة ومتعددة ومتضاربة في كثير من الأحيان.. فهناك روايات بالغت مبالغة شديدة في تصوير العداء بين الطرفين ،منها مثلا ما رواه المقريزي في ( النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم ) : أن هاشماً وعبد شمس ولدا ملتصقين ففصل بينهما بالسيف، فكان بين أبنائهما الدماء لأجل ذلك .

والرواية لا تحتاج إلى ذكاء كبير لتفنيدها ، فيكفيها ضعفا ما يبدو منها من ملامح الأساطير والخيالات ، ويكفي لتكذيبها تاريخيا  ما رواه ابن إسحاق من أن عبد شمس كان أسن بني عبد مناف.

وفي (الطبقات الكبرى) لابن سعد أنه : تنافر عبد المطلب بن هاشم وحرب بن أمية إلى النجاشي الحبشي فأبى أن ينفر بينهما. فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزى ، فقال لحرب: يا أبا عمرو أتنافر رجلا هو أطول منك هامة. وأوسم منك وسامة. وأقل منك لامة. وأكثر منك ولدا. وأجزل منك صفدا. وأطول منك مذودا ؟ فنفره عليه. فقال حرب: إن من انتكاث الزمان أن جعلناك حكما

هناك في ذات الوقت شواهد تاريخية، يتضح منها قوة العلاقة بين بني هاشم وبني أمية، فقد كان عبد المطلب بن هاشم ـ جد النبي (ص) وزعيم الهاشميين - صديقا مقربا لزعيم الأمويين حرب بن أمية .. والصداقة الحميمة بين  العباس بن عبد المطلب بن هاشم وبين أبي سفيان بن حرب بن أمية ،كانت من المعلوم بالتاريخ بالضرورة إذا جاز هذا التعبير .

وقد يقطع بحقيقة تلك الصداقة ومدى قوتها ومتانتها ، أن المقريزي نفسه في مؤلفه الذي خصصه لتناول النزاع والتخاصم بين الأمويين والهاشميين، يعترف بتلك الصداقة القوية التي جمعت بين العباس وأبي سفيان ..غير ذلك كانت هناك مصاهرات كثيرة بين الطرفين  قبل الإسلام وبعده , ولعل أبرزها على الإطلاق  ما فعله النبي (ص)الذي زوج ثلاثة من بناته الأربعة من بني أمية.

 

وسواء رجحت أن العلاقة بين الفرعين الكبيرين كانت علاقة ودية ، أو كانت علاقة يكتنفها التنازع والحسد والتخاصم والعداوة المخفية أو المشهرة خاصة وأن الغيرة والمنافسة بين الأقارب وأولاد الأعمام مما لا تخفى حقيقتها على أحد ، فإنك في كل الأحوال لا تملك إلا أن تقطع بأنها بالفعل علاقة معقدة وملتبسة ، وأن بعثة النبي (ص) خاتما للنبيين كانت مفترق طرق حقيقي في بيان حقيقة تلك العلاقة .

لو رجعنا بالتاريخ إلى الوراء ، لاكتشفنا بسهولة أنه قبل البعثة المحمدية وحتى فتح مكة بعد تلك البعثة ، لم يكن هناك قائد أو زعيم أوحد يتفرد بالسلطة والقيادة في مكة.. كانت هناك أسر شريفة (بطون قريش ) بنو عبد مناف ، بنو عبد العزى، بنو عبد الدار ، بنو زهرة ، بنو تيم ، بنو مخزوم ، بنو عدي ، بنو جُمَح ، وبنو سهم .

وكانت كل هذه الأسر تتداول وتتشاور فيما بينها في "دارالندوة"التي أنشأها قصي بن كلاب للفصل في المنازعات واتخاذ القرارات.

وكل هذه الأسر كانت تمارس التجارة وتشارك برجالها في رحلات الشتاء والصيف ، وكانت لكل أسرة منهم  مهمة محددة تقدمها للتجار والحجيج.. فهذه للسقاية وهذه للوفادة وهذه للسدانة وهذه لحجابة الكعبة وتلك لخدمة أصنام القبائل فيها.

والواقع والتاريخ يؤكدان أنه كانت في صدارة تلك الأسر العريقة، أسرتي بني هاشم وبني أمية ، وكنوا معا الأكثر قوة وثراء وحضورا .. كانتا أبناء عمومة تجتمعان في الرحم، والنسب، ومفهوم بالطبيعة البشرية أن  تتنافسان في السيادة والجاه.. وكان بنو هاشم  هم أهل الرأي الأقوى في مكة، في حين كان بنو أمية الأكثر عددا و ثراءً وتسييرا لقوافل التجارة بين الشام واليمن..

في كل الأحوال كان بين الفرعين الكبيرين تنافسا كبيرا وقويا اختلف المؤرخون والقراء في تحديد مدى ومقدار هذا التنافس وقوته ،لكن تظل الحقيقة الناصعة أن بني  أمية لم يفرحوا ببعثة محمد (ص) ولم  يعترفوا  بدعوته في مكة، والمرجح أن سببهم الأول وربما الأوحد في ذلك  أنه لم يكن رجلا أمويا ، وقالوا عن بني هاشم: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا حتى إذا زاحمناهم بالمناكب قالوا: منا نبي، فمتى ندرك هذه!

روى ابن كثير في (البداية والنهاية) : أن معاوية بن أبي سفيان قد سئل: أيكم كان أشرف أنتم أم بنو هاشم؟

فأجاب: كنا أكثر أشرافاً وكانوا هم أشرف، وكان فيهم عبد المطلب , ولم يكن فينا مثله، فلما صرنا أكثر عددا وأكثر أشرافا، ولم يكن فيهم واحد كواحدنا، فلم يكن إلا كقرار العين حتى قالوا: منا نبي، فجاء نبي لم يسمع الأولون والآخرون بمثله، محمد صلى الله عليه وسلم، فمن يدرك هذه الفضيلة وهذا الشرف.

وهذا الكلام يؤكد  وجود نوع من التنافس والسباق بين الطرفين قبل الإسلام، وهو تنافس غير مستغرب على طبيعة الحياة العربية في مكة قبل الإسلام، وقد ندرك مدى حدته وتسارع وتيرته على خلفية النوازع الإنسانية التي بمقتضاها لا يقبل أي إنسان أن يصبح إنسان آخر أحسن منه أوأكثر منه مالا وجاها وكرامة، وتشتد الحالة في التنافس والسباق كلما كانت بين الأقارب والمعارف.

إنها الحياة ،  وإنها الطباع الإنسانية التي لا تفارق النفوس حتى ولو كانت داخل القبور.

 

التعليقات