الـ«المعلش» المستفزة الكريهة

الـ«المعلش» المستفزة الكريهة

لا أعرف لماذا تذكرت اليوم عبارة عبد الوهاب مطاوع الشهيرة "انتظروا جوائز السماء"؟ فاستوقفتني وأنا أتأملها من جديد، وهي العبارة التي اعتاد أن يطمئن بها القراء باستمرار، وكانت ثيمة ملازمة للكثير من مقالاته.

كنت قد حرصت في كل يوم جمعة أن أفتح صحيفة الأهرام مسرعة غير مهتمة بأي عنوان أو مانشيت مهما كان مثيرا أو خطيرا أو أليما، فقط كنت أبحث عن صفحة بريد الجمعة التي كان يحررها "صاحب القلم الرحيم" لكي أقرأ معاناة الناس وأحمد الله، ثم أقرأ الرد على مشكلاتهم والذي كان غالبا عبارة عن كلمات طبطبة ومواساة وكأنه يقول لهم "معلش"، ولكن  معلش باهتمام عبد الوهاب مطاوع "الجنتلمان" تختلف عن معلش يقولها لك حبيبك وهو يتصفح الفيس بوك وعينه لا تفارق المحمول.

نأتي لـ"معلش"، ماذا تفعل معلش تقولها لي صديقتي بعد ساعات طويلة نمضيها في المقهى أو في منزلها وأن أحكي لها عن مشكلتي أطلب منها اقتراحا لمشكلتي؟

بماذا تفيد الـ"المعلش" وكيف يمكن للذي جاءك محملا بالهموم استخدامها، هل يمكن أن تحمي معلش شابا يغادر عمله في ساعات الفجر الأولى من قطّاع الطرق، وهل يمكن استبدالها من البنك بقيمة محسوبة لكي تفك أزمة مادية لمديون بأقساط، أو آخر على وشك أن يتم طرده من الشقة التي لم يعد قادرا على دفع إيجارها؟

كيف يمكن لمعلش أن تعيد المتوفي للحياة، هل يمكن أن تعيد الصحة لمريض، أو تعيد مسار الأحداث في مواجهة القدر، أو ربما هناك سحرا خاصا يجعل "معلش" قادرة على  إشعال فتيل النار في علاقة متجمدة بين رجل وامرأة في منزل تصدع من قلة الحب؟

منذ طفولتي كانت تقال لي "معلش" لو تكسرت لعبتي، كنت أشعر بكراهية غير مسببة بيني وبين الكلمة، فعندما استمع لأحدا يجيبني بـ"معلش" أشعر بوخز في كرامتي، وكأنها سبة أنيقة أو شتيمة مقنّعة؟

يخّيل إلي أن كلمة معلش التي يقولها لي المدير لكي أتغاضى عن كل الظلم الذي لحق بي في وظيفتي بعد نصف ساعة من الشكوى تعني "أرحميني وأرحمي نفسك بقى قرفتيني ربنا ياخدك"!

معلش وقبل أن أبحث في معناها كانت تعطيني انطباعا بأن الذي ألجأ إليه في مشكلتي يستخف بي، أو لديه انعدام مبالاة بالأحداث الجسام.

ومعلش التي يقولها أحدهم بعد كل كارثة تحيق بمصر، وكأنه لا يبالي بالنوازل الفادحة والخسائر الكثيرة، حيث لا يميز بين الرفض والقبول، وبين الاستخفاف والتقدير، والصدق والكذب.

دعونا نتفق على حقيقة أننا نعيش في مرحلة مليئة بالصعوبات، ولم تعد الحياة بالسهولة التي عهدناها، نحن نواجه صعوبات مادية، وسياسية واجتماعية، وعاطفية والجميع مضطر لأن يتفانى ويبذل المزيد من الجهد والصبر حتى بالكاد يتمكن من الاستمرار على قيد الحياة، وحتى نعبر تلك المرحلة التي ألقت بظلالها على كل من يعيشون على هذه الأرض الطيبة علينا بالصبر والعمل ولكن بدون أن يقول لنا أحدا "معلش".

في غمرة تلك الصعوبات حينما تشرد بفكرك بعيدا وتتذكر الأشياء الجميلة المتبقية التي يمكنك ممارستها أو اقتنائها لتبعث فيك السرور ولا تجدها، لا يمكنك أن تقول "معلش"، وإلا ستظلم نفسك وتعطي الحق لمن ليس له حق لتكرار العبث في مصيرك ومصير الآخرين.

"معلش" والتي تعني بكل وضوح "طز فيك" و"أنت الغلطان متشتكيش"

كلمة لا تليق بمناضل يريد إصلح حياته، إذن عليك أن تفهم ما هي الـ"معلش" ثم تقرر أن لا تشتكي لأن "الشكوى لغير الله مذلة" ولن يكون مردود تلك الشكوى  سوى "معلش" التي ومهما انتظرت عواقبها لن تجد شيئا مفيدا.

نأتي مرة أخرى لتحليل "معلش" والذي أجلته لآخر المقال حتى لا أصدم قرائي الأعزاء بمضمونها ومعناها، وبعد البحث والتمحيص في معاجم اللغة العربية والكلمات الشعبية الدارجة وبعد مطالعة مجهودات الزملاء الصحفيين الذين كتبوا عن أصل المعنى فهي تعني باختصار "أنت سفيه العقل وغير مسؤول عن تصرفاتك".

هناك تفسرات كثيرة لأصل كلمة "معلش" يقال إنه في أيام الجاهلية عندما يقوم أحد الأشخاص بتصرف سفيه أو إهانة في حق شخص آخر، يقول الناس للشخص الذي تعرض للإهانة أن الشخص الأول الذي أهانه "ما عليه شيء".

وهذا يعني أنه مجنون وسفيه فلا يحاسب، ومع مرور الزمن تحورت الجملة من "ما عليه شيء" إلى "معلش" والتي أصبحت كلمة معتادة تستخدم في مواقف غير مناسبة لا تليق بها.

هناك تفسرا آخر لـ"معلش" إن القضاة قديما عندما يحكمون بالبراءة على متهم يقولون " ما عليه شيء" يعني لم يرتكب ذنبا.

وهذا يعني أن أي شيء يحدث لك ثم يقولون لك "معلش" يعني أن الذي ظلمك وآلمك "ليس عليه شيء"!

ويبدوا أن الصحفي الراحل عبد الوهاب مطاوع رحمه الله قد فطن لهذا، واستبدل "معلش" الجيران والأقارب والأصدقاء، بكلمات أكثر رقة, وأصدق تعبيرا ولها وقع محبب على القلوب المكلومة ومخفف للآلام النفسية، أفضل بكثير من كلمة "معلش" التي نكرهها.

التعليقات