الحب الذي يكتبون عنه

الحب الذي يكتبون عنه

لو عرفت الحب الذي يكتبون عنه، لاخترت أن تعيد شريط القصة نفسه كل مرة.. بكل لحظات البهجة والتوق والشغف واللوعة والعشق والُمجون.. وحتى لحظات الخذلان والندم والخوف والتعاسة والألم.

سيصفونك دائمًا بالقوة ويتعجبون من صلابتك وقدرتك على تحمل مشاكل بحجم الجبال، لكنهم لن يتخيلوا ضعفك عندما تختلي بنفسك وحيدًا في غرفتك تناجي الجدران أملا في لقاء المحبوب، كجرو وفي صغير سافر صاحبه فجلس بجوار الباب وأخذ يشم عتبته بائسًا كل يوم حتى عودته.

ألم الحب هو الألم الوحيد الذي لن ترغب في الشفاء منه ولو وضعوا أمامك أقراص العالم، ما رغبت في أن تبتلع قرصًا قد ينسيك المحبوب حتى لو كانت ذكراه ملطخة بالدماء.. تكون حالتك أشبه بالمازوخي الذي يستمتع كلما ثقب جسده بإبرة، أليس الألم منه وعنه وله؟

ستدعو الله أن يغفر كل أخطائك التي ارتكبتها في حياتك ولكنك ستدعوه إن كان حبه ذنبًا ألا يغفره، فهذا هو الذنب الوحيد الذي لو عاد الزمن لاقترفته مع سبق الإصرار والترصد متنازلا عن كل الحسنات لحساب روحك التي كانت تحلَق في سماء المحبوب.

عجيب أمر العاشق، قد يحارب العالم كله وتنغرس السهام في جسده وينتصر مرارًا وتكرارًا ولكنه يرفع دومًا الراية البيضاء أمام كلمة واحدة تخرج من بين شفتي المعشوق.. وقد قال رجل حكيم يومًا إنه لا يخاف من موت قلب العاشق بل يخاف من موت قلب المعشوق. فماذا إن مات قلبه بعد أن مزق قلب العاشق وفككه لحالته الأولية وتركه على هيئة شظايا صغيرة متناثرة داخل الجسد تدميه وتؤلمه؟

عندما تحب هذا الشخص، سترغب في اقتناص أكبر عدد ممكن من ابتساماته وضحكاته، وستركض وراءها لتجمعها مسرعًا مبتهجًا كطفل يحمل الشبكة ويجري وراء الفراشات الملونة.

لن تمانع أن تكون مهرجًا، وساحرًا، ولاعب خفة، وعرافًا عجوزًا ذا ابتسامة حمقاء لو لزم الأمر طالما أن هذا سيجعلك تطالع هذا الثغر مبتسمًا ولو مرة واحدة وسترى شفتيه وأسنانه حينها كحبة التمر الصغيرة التي ترغب أن تلتهمها في نهم الصائم لحظة يردد الأذان "الله أكبر".

ستجمع ضحكاته يومًا بعد يوم وشهرًا بعد شهر في صندوقك السري الصغير الذي تعتبره المكان المقدس لإخفاء تحويشة العمر.. يؤلمك العالم ويذبحك فتفتح الصندوق وتتلحف بضحكة يوم الأحد الماضي لتخلد إلى النوم مطمئنا أن الغد سيكون أفضل بالتأكيد، فماذا غير هذه الضحكة يعينك على الصمود؟

ستشكره على كل شيء، على مشاعر كنت تقرأ عنها في روايات ماركيز وتشاهدها على الشاشة في أفلام سباركس، لكنك اليوم فقط أصبحت تعرف أنها حقيقية. ستشكره على أشياء كنت تخجل أن تقولها لأي شخص ولكنك استمتعت بنشوة الاعتراف وروايتها بالكامل في حضرته، ستشكره على ضحكة حبسها الزمن وألبسها طوقًا حديديًا ثم جاء هو ليحررها من سجنها اللعين. ستشكره حتى على الدموع التي ذُرفت من أجله لأنها كانت تطهرك من الداخل وتغسل روح بقايا الإنسان التي تركها آخرون داخلك ورحلوا. ستشكره على لمعة عينيك في الشمس وروحك التي تعلمت السباحة في بحر حب الحياة منذ التقيته.

حتى إن رحل المعشوق، ستبقى الخطوط التي حفرها داخل القلب واديًا جافًا يتضرع إلى الله دومًا أن يسقط عليه المطر فيرويه، سيبقى صوته أنشودة صوفية تغسل ذنوب القلب الزاهد، ستظل كلماته لحنًا حزينًا تدندنه كل يوم في المساء وأنت تصنع فنجان قهوتك. ستتظاهر بالقوة المفرطة وستقول مرارًا "لا بأس" ولكن وحدها وسادتك ستشهد لحظات لوعتك وانكسارك في المساء.

قد يرحل المحبوب يومًا تاركًا إياك في غربة ووحشة وعزلة. صدقني ستتغير.. ستصاحب العلامات وتنتظرها وستؤمن بكل المعجزات والكرامات التي قرأت عنها يومًا وستتمنى لو تصبك واحدة ما.. فيعود. وستجثو كل يوم في المساء على ركبتيك مرسلا حبًا ونورًا وشعاعًا من العشق وستنتظر أن يلمس الشعاع وجهه ويرتد ويصطدم بجسدك المسكين ليملأ قلبك حتى تعيش يومًا آخر تهديه له.. فيبتسم وتحيا أنت.

التعليقات