أن تكون الروح حبيسة جسد لا تعرفه

أن تكون الروح حبيسة جسد لا تعرفه

 

كنت طوال عمري طفلة نحيلة، تظهر عظام رقبتها عندما تضحك ويطلب الجميع منها أن تأكل شيئًا حتى لا تسقط مغشيًا عليها..كنت مراهقة تتمتع بجسد جميل رياضي ممشوق تحسده عليها الصديقات وظللت هكذا حتى تزوجت وأنجبت ثلاثة أطفال وفجأة- ونتيجة ضغوط كثيرة ومشاكل في حياتي- وبدون أي مقدمات أصبحت مدمنة للطعام وصرت آكل بلا توقف حتى صار وزني 95 كيلوجرام!

إدمان الطعام يشبه إلى حد كبير إدمان أي مخدر..تستيقظ في الصباح وتجد نفسك لا إراديًا تفكر في المخدر حتى تبدأ يومك بسعادة وبمزاج جيد، مع أول موقف تشعر به بالتوتر لا تفكر إلا بالمخدر..تتعاطاه فيرسل الإشارات إلى مخك فتشعر بالنشوة ثم يقل شعورك بالنشوة تدريجًيا حتى يطلب جسدك المخدر مرة أخرى وهكذا..تزيد الكميات ويزيد الإدمان والاحتياج للمخدر ويزيد الخطر. مدمن الطعام يرغب دومًا في تناول الطعام الدسم والحلويات والمعجنات لأنها ترفع من منسوب الهرمونات المسئولة عن السعادة وترفع سكر الدم وعندما يرتفع منسوب السكر يرسل الجسم إشارات لخفض السكر ومحاولة ضبطه وفور إنخفاض منسوب السكر تشعر بالجوع مجددًا كما تشعر بالتوتر والعصبية أيضًا ولا تشعر بالراحة إلا بعد أن تأكل مجددًا ليرتفع منسوب السكر مرة أخرى.. وهكذا يطلق على هذه الظاهرة Binge Eating، بعد عدة أشهر يصبح الإنسان عبدًا للطعام وينفق كل ما يملك على المطاعم والكافيهات وأكل الشارع ولا يشعر بالسعادة إلا عندما يأكل ويتجاهل كل الأضرار التي تصيبه من جراء الإفراط في تناول الطعام مثل زيادة الوزن وآلام العظام والمعدة والأمعاء!

في مرحلة ما وبعد أن زاد وزني كثيرًا كرهت جسدي وشعرت أنني لا أنتمي له وأنه لا ينتمي لي، أصبحت أشعر أنني أسيرته وأنني محبوسة بداخله..إحساس غريب أن تشعر أن مشاعرك غارقة في بحر من الدهون!

كنت أشعر بالألم الجسدي بجانب ألم الروح..ظهري يؤلمني، ركبتاي، ساقي وقدمي..معدتي تئن طالبة رحمتي وشفقتي فلا أستجيب..كنت آكل طول اليوم لأشعر بالنشوة وأحصل على تلك الجرعة العالية من هرمون الدوبامين الذي يُفرز بعد تناول الوجبات الدسمة فأستطيع مواجهة وجع الحياة اليومي الذي لا ينتهي.

بعد تناول الطعام مباشرة كنت أدخل مرحلة الرغبة في التخلص من هذا الطعام.. جربت الملينات وأقراص حرق الدهون وممارسة الرياضة بإفراط وفي المرحلة الأخيرة قبل تفاقم الماساة كنت أحاول التقيؤ..وفي كل مرة حاولت التقيؤ كنت أتمنى أن أتخلص مع الطعام مع جرعة من حزني. أصبح همي الأول والأخير هو أن أتخلص من الطعام مباشرة بعد أن آكله حتى لا أستمر في اكتساب الوزن..هذا باختصار ما يدعى بالبوليميا نيرفوزا أو النهام العصابي. إنهم يفهمون أن يكون لديك سكر أو ضغط لكن أن يفهموا البوليميا فهذا لن يحدث أبدًا، لن يفهموا أنك تفقد السيطرة على نفسك تمامًا وتزدريها وتشعر بالضعف واليأس مثل مدمن المخدرات، كان الشرح للآخرين شيئًا صعبًا بل شبه مستحيل..كنت أحارب منفردة وأخوض المعركة كل يوم وحدي..

ازداد اكتئابي وصرت لا أرتدي إلا الملابس الواسعة سوداء ورمادية اللون، أهملت مظهري وبدأت أتجنب مقابلة الناس بالتدريج وأميّل للعزلة..كنت أسمع كلمات السخرية والإهانة من أقرب الناس لي فأكره نفسي وأكره ضعفي الذي يجعلني أسمع هذه الجمل المسيئة وأعجز عن الرد..لأنها حقيقة للأسف!

مرت الأشهر والسنوات حتى اتخذت القرار..قررت أن هذه القصة يجب أن تنتهي وأنني قوية بما يكفي لأدخل هذه المعركة وأربحها، قررت أنني لن أسمح لأحد بعد اليوم أن يستغل نقاط ضعفي ليكسرني ويمارس عليّ العنف النفسي كل يوم.

قررت في يوم ما أنني لن أصبح شيماء "أم العيال" البدينة المترهلة..هل تبدو كلمة بدية مترهلة وصفًا عنصريًا؟ هل هي كلمة جارحة لأي شخص يعاني زيادة الوزن؟ دعوني أخبركم أن هذا هو أول طريق النجاح، أن تواجه نفسك بالحقيقة العارية وأن تتوقف عن استخدام كلمات مثل "مليان" و"كيرفي" و chubby و"مقلوظة" وأن تستخدم الوصف الحقيقي: تخين ومترهل وبكرش..واجه نفسك بالحقيقة وتقبلها واسعى لتغييرها بدلا من أن تخدع نفسك كل يوم بكلمات تعلم جيدًا أنها كاذبة.

الخطة كانت كالتالي: مشاهدة أكبر قدر ممكن من الفيدوهات التحفيزية، الاشتراك في جميع صفحات الأكل الصحي والرياضيين والغاء الاشتراك في كل صفحات الحلويات ومطاعم الوجبات السريعة. بعد أقل من أسبوعين أصبح الفيسبوك لا يعرض على حسابي سوى الوصفات الصحية ومقالات خسارة الوزن وفيديوهات أشخاص حققوا نجاحًا في خسارة الوزن وتغيير أسلوب حياتهم.

غيرت كل ما آكله وبدأت أمتنع تدريجيًا عن تناول الحلويات والوجبات السريعة وقللت الملح والسكر بالتدريج والأهم أنني بدأت ممارسة الرياضة بمختلف أشكالها. خصصت ساعة يوميًا للقراءة عن طرق التغذية السليمة وتعلم التمرينات الرياضية، حصلت على شهادتين في التغذية! الأهم من كل هذا أنني لجأت لمتخصص لعلاج البوليميا والتي هي بالأساس مرض نفسي واستغرق هذا الأمر شهورًا حتى شفيت تمامًا بعد فترة وأصبح تناول الطعام لا يشكل مصدرًا للسعادة وإنما هو وسيلة تساعدني في تحقيق الهدف.

اليوم يبلغ وزني 67 كيلوجرام..خسرت حوالي 30 كيلو جرامًا من الدهون واكتسبت 8 كيلوجرامات من العضلات بفضل ممارسة الرياضة ورفع الأثقال ودشنت هاش تاج #من_الكرش_للكيرفي الذي أدوّن عليه هذه التجربة منذ عدة أشهر..

"إللى عايز يوصل هيعرف يوصل" جملة سمعتها أمس في فيلم ألوان السما السابعة تلخص هذا الأمر كله..إذا أردت الوصول لهدف ما، ستجد طريقة للوصول وبقدر رغبتك وعزيمتك سيكون تحقيق النجاح وبعد الوصول ارسل للسماء كل يوم امتنانا وعرفانًا لمن ساعدك وكان جزءًا من هذه الرحلة.. حتى من جرحك وآلمك، لأنه من دون كلماته الموجعة التي ذبحتك لم تكن لتصل هنا اليوم.

اقرأ هذا المقال وتمتع بجرعة واقعية من الإيجابية والأمل كنت ابحث عنها يوميًا قبل بدأ رحلتي.. اغمض عينك وأبدأ من اليوم تخيل روحك المحلّقة في جسدك الجديد الذي ستنحت خطوطه وثنياته وانحناءاته كلها بنفسك والذي ستحاربه وتحفظ مداخله ومخارجه وطرقه السرية حتى تنتصر عليه في معركة أنت فيها جندي يحارب منفردًا.

التعليقات