عمر طاهر.. صنايعي الصحافة!

عمر طاهر.. صنايعي الصحافة!
عمر طاهر يضرب من جديد. 
في كل مرة يفاجئك بالدخول إلى منطقة لم يلجها أحد غيره. هذه المرة بكتاب هو الأول من نوعه، يمتليء بمعلومات لن تجدها في أي مكان آخر، كتاب كُتِب في محبّة الصنّاع المهرة الذين شكّلوا وجدان المصريين واستقرّوا في ثقافاتهم المتوارثة دون أن يأخذوا نصيبهم من الضوء والاعتراف بالفضل. إنه كتاب "صنايعية مصر".
يأخذنا عمر في رحلة ممتعة نتعرّف فيها على قصّة شيكولاتة كورونا، وكولونيا 3 خمسات، وسجائر ماتوسيان، وأكواب ياسين وغيرها، في اثنتين وثلاثين حكاية مصريّة حصريّة.
وعمر طاهر هو الوحيد الذي يستطيع أن يملأ كتابه بمثل هذه المعلومات التي لم يسبقه إليها أحد، والسبب ببساطة هو أنه عمر طاهر. يكفيه أن يطرق بابا ويقول: أنا عمر طاهر، فتنفتح له فورا خزائن المعلومات والأسرار، إذ يلقيها الناس في حجره بكل محبة وأريحية.
يصول عمر ويجول جامعا المعلومات المتناثرة جمع الإبر من أكوام القش، متنقلا بين الكتب والمراجع والوثائق وأرشيفات الصحف وتسجيلات الفيديو والمقابلات الشخصية، ليجمع لنا أطراف الحكاية، ناسجا منها أثوابا قشيبة من حكايات كانت مفقودة لكنها وُجِدَت على يديه.
عندما تقرأ حكايات روّاد الصناعة الأوائل هؤلاء، ستجد أن العامل المشترك بينها هو انتهاء الغالبية العظمى منها نهاية مأساويّة، وفي كل القصص التي بها نجاح تجاري أو صناعي سيظهر جمال عبد الناصر كعفريت العلبة ليضع كلمة الختام، باعتباره المُمارس الأكبر لدور هادم اللذات ومفرق الجماعات. يشاهد عبد الناصر هذا النموذج الناجح أو ذاك، فيصدر أمره بالتأميم أو المصادرة، وتنتهي قصة النجاح بموت صاحبها كمدا، أو فقرا، أو هجرته من البلد بغير رجعة. تبيِّن لنا قصص هذا الكتاب أن عبد الناصر الذي كان يقدّم نفسه باعتباره باعث الصناعة الوطنيّة، كان في الحقيقة هادمها ومُخرّبها، وأنه لولاه لكان لدينا اليوم صناعة وطنيّة أصيلة ومبتَكِرَة وعريقة جدا، تمتد بجذورها عبر الزمن، وأنه لولاه أيضا، لما خسرنا كل هذه العقول التي تم تعطيلها أو طردها من بلادنا لتنفع غيرنا من البلاد.
أما خَلَفه أنور السادات فيظهر عدة مرات في الكتاب ممارسا نفس الدور في إنهاء القصص الناجحة، بعزل أصحابها عن مناصبهم (في قصص كماما لبني وسعد لبيب) أو تلفيق تهمة والإلقاء في السجن (في حالة وجيه أباظة)، أوالنفي (حكمت أبو زيد).
لعل ما كان ينقص كتاب صنايعية مصر حقا هو مزيد من الصور، كان بحاجة إلى عشرات من الصور للمنتجات ولأصحابها وللمصانع وللأماكن والذكريات، ولعل طبعة أخرى تصدر تتلافى هذا النقص، تكون أكبر حجما وتغضّ بالمادة المصورة التي تشعل حنيننا لأيام أخرى كنا فيها أفضل حالا وأكثر إبداعاً وريادةً ومبادرةً.
تحية من القلب إلى عمر طاهر، صنايعي الصنايعية في الصحافة المصرية.
التعليقات