جُعبة سهام محمّلة بالخوازيق

جُعبة سهام محمّلة بالخوازيق

تذكرت بالأمس إحدى أساطير ما وراء الطبيعة للدكتور أحمد خالد توفيق، تتحدث عن حشرة مسكينة ضعيفة لا حول لها ولا قوة، أجرى عالم حشرات عليها العديد من التجارب، مرة تلو الأخرى، حتى أصبحت منيعة، تستطيع مقاومة كل أنواع الأسلحة الكيماوية بل وحتى الماء والنار، ولم يعد أحد قادرًا على قتلها مطلقًا.. كان العالم يُعرّض الحشرة كل مرة لخطر أعلى وأصعب وأكثر ألمًا بالتدريج، حتى أصبح للحشرة جهاز مناعي فولاذي، لا يمكن بأي شكل هزيمته..

هذا باختصار شديد ما يفعله الرجال "إيّاهم" بالمرأة الضعيفة.. يعرّضونها لجرعات متلاحقة ومتتالية من الألم، والكذب، والغدر، والخيانة، والندالة، والعنف، والاستغلال، من رجل تلو الآخر، حتى يصبح لديها لاحقًا هذا الجهاز المناعي الفولاذي الذي لا يتأثر بأي رجل مرة أخرى.. أهلا بك! لقد أصبح الألم غير مؤلم على الإطلاق!

أتصوّرهم يحملون جعبة سهام محمّلة بسهام خازوقية!

 هذا سهم في أذنك، هذا سهم في عينك، هذا سهم في قلبك، هذا في يدك، هذا في رأسك.. تُضرب المرأة بسهم تلو الآخر وتقوم وتنهض وتكمل الحياة رغم الدماء التي تسيل من كل مكان.. حتى عندما تتوقف الدماء.. تظل الجروح نازفة في الداخل، وتعيش تلك المرأة -بقوة غريبة- حتى الموت بنزيف داخلي في كامل الجسد..

 تذكرت أيضًا جلستي الهادئة مع صديقتي العزيزة منذ شهرين.. كنا نتحدث عن حبيبها الذي خانها بعد ثلاثة عشر عامًا من الحب، أحبّا بعضهما منذ أن كانا في السابعة عشرة، وانتظرته طويلا حتى يرتّب أموره ويصبح جاهزًا للزواج، وبعد كل هذه السنوات هجرها وتزوج فتاة أخرى أصغر وأجمل..

 صديقتي التي عرفها كل هذه السنوات اكتشف الآن فقط أنها لا تعجبه..عام ونصف قضتها صديقتي في انعزال وبكاء وغربة وتوحد وألم..كانت تحدّثني باكية في المساء لليالٍ وأيام، وأخيرًا استطاعت الانتصار على هذا الحزن ونهضت من جديد.. منذ ستة أشهر حدثتني عن شخص آخر يلوح في الأفق، معجب بها ويرغب في الزواج، بدأت صديقتي تفتح قلبها مرة أخرى للحياة واستعادت ثقتها المفقودة في نفسها بالتدريج وصدقته..وصدق أو لا تصدق..تركها هو أيضًا! قال لها إنه كان هناك إحساس معين يشعر به، والآن انتهى!

 جلسنا أنا وهي نتحدث عن هذا الرجل الجديد.. قلت لها هل أنت متألمة لأنه تركك؟ قالت لي: لقد استطعت التغلب على رجل أحببته ثلاثة عشر عامًا من حياتي.. فمن هذا لأبكي عليه أو أحزن؟ لقد جرحت جرحًا قتلني، فأصبح أي جرح بعده وكأنك تضربين جثة ميت.. فهل يشعر الميت؟ّ

 هذا ما يحدث باختصار.. نصارع الموت مرة تلو الأخرى، حتى نصبح مثل القطط، بسبعة أرواح.. للأسف ما يحدث دومًا هو أن تلك الطيبة لا تجتذب إلا نوعًا واحدًا من الرجال "ولاد الكلب".. يشمّون رائحتها من على بعد ميل.. تثير فيهم تلك النزعة السادية المريضة بالتملك، فيقولون لها تلك الأسطوانات المملة الحقيرة التي قُتلت بحثًا، فتصدقها، أو يعدوها بالحب والزواج، ثم يهجرونها مع أول فرصة ممكنة!

 والحل: أن تقرري وضع نهاية في حياتك لهذه الخوازيق.. توقّفي عن تصديقهم، ولا تكترثي بما يقولون، اسمعيه كأنه سطور جميلة في رواية رومانسية ساذجة..

 إذا كنت تظنين أننا كنساء قد ندمن الخمر والمخدر وأقراص المنوم فقط فأنت مخطئة، فنحن ندمن أيضًا الوَنس والحنّية ونضرب أصوات الرجال الدافئة في الهاتف وكلامهم المعسول حقنًا في الوريد حتى ننتشي. تسكرنا النظرات الحالمة وتطيح بنا حتى الثمالة. كل اجتماعات زمالة المدمنين المجهولين لن تجدي نفعًا إن أدمنتي رجلًا من هذه العينة السامة المميتة.

  يقول الكاتب خليل صويلح في روايته ورّاق الحب: "ليس هناك مخدر أسوأ من الكلام، إنه يجعل نادلة حانة ريفية تشعر كأنها امرأة فينيسية، وبعد ذلك، حين تأتي ساعة الحقيقة، لحظة العودة إلى الواقع، تكتشفين أن الكلمات ليست سوى شيك دون رصيد".

 الكاذبون الملاوعون الكلامنجية في الأغلب لا يعرفون أويعترفون أنهم كذلك، لأنهم دائمًا ما يجدون مبررًا أمام أنفسهم حتى لا يشعروا بمدى نذالتهم، وهم لا يواجهون أنفسهم ولا مرة بحقيقتهم المُرة. اخدميهم خدمة العُمر وانظري في العين وقولي لهم: أنتم كاذبون وبياعين كلام ولقد تعلمت على أيديكم أن الكلام لا ثمن له لدى البعض..قولي لهم أن الكلمة وعد، وعهد، وأمل، وضمير، وإحساس، ونور، وحلم وقشة يتعلق الغريق بها..قولي لهم أن الكلمة حياة وأنهم موت.

التعليقات