أيها الإقطاعيون الجدد.. انتبهوا

أيها الإقطاعيون الجدد.. انتبهوا

 

 
 
ليس أقسى على الإنسان من أن يعيش غريبا في وطنه لا يمكنه التنقل بين الأحياء السكنية دون بطاقة عبور تبرز هويته ورصيده في البنك ونوع سيارته، فإن كان فقيرا يحرم من ارتياد أماكن تجمع الأثرياء، كما حدث مع أحد الأصدقاء حينما حاول دخول مدينة من المدن الجديدة في مصر بسيارته الدايو، فتم توقيفه بعد تفحصه بازدراء وطلب منه الانصراف!
وفي أحد الإعلانات التجارية التي شاهدتها مؤخرا في التلفزيون، مدينة سكنية جديدة وعدت الأثرياء الذين تروج لهم وحداتها، بأنه سيتم اختيار السكان "على الفرازة"، ويبرز في الإعلان رجل صعيدي بشكل ساخر يطلب شراء وحدة سكنية ويتم رفض طلبه لأنه لا يشبه النمط المطلوب من طبقة رجال الأعمال والأثرياء وصفوة المجتمع، وتظهر مرة أخرى في الإعلان أيضا سيدة شعبية ترغب في شراء وحدة سكنية ويتم رفضها، لأنها لا تتحدث بشياكة، هذا نموذج فاضح للاتجاه الذي يسير المجتمع نحوه الآن وهو "احتقار الفقراء" الذين ألقينا بهم في الفقر عنوة.
 
هذا ليس مشهدا من فيلم درامي، إنها حقيقة، والأكثر ألما أن بعض قاطني تلك المدن قد لا يعنيه ارتفاع الأسعار والتضخم الذي يعاني منه الاقتصاد حاليا نظرا لامتلاكهم أصولا وثروات تزيد قيمتها وتتغير مع تغير أسعار السوق.
في ظل ما سبق تشهد مصر ظواهر اجتماعية سلبية شديدة التعقيد، فهي دولة تعاني من المركزية والانفجار السكاني، حيث تجاوز عدد المصريين الآن 92 مليون نسمة، يتشكلون من مختلف الاتجاهات والأنماط الحياتية والدخول المتفاوتة، ومع ذلك نجد اتجاها لعودة زمن الإقطاع والعنصرية، والنظرة المتدنية بين المواطنين لبعضهم البعض بحسب المحافظات التي يقطنوها وثرواتهم، فهؤلاء الأثرياء الذين يقطنون المدن الجديدة المنغلقة ينظرون بازدراء للآخرين، بل هم يتفاخرون فيما بينهم وجيرانهم في مدن الأثرياء الأخرى، فترى مثلا سكان القطامية هايتس يعايرون سكان مدينة الرحاب، وسكان مدينة الرحاب يتعالون على سكان وسط المدينة، وسكان مدينة الشيخ زايد ينعتون سكان مدينة 6 أكتوبر بالغوغائيين.
سكان شارع فيصل وبولاق، وغيرهما لا يتم الاعتداد بهم، لا ينظر لهم ضمن سكان مصر، لا أعرف لماذا؟
في تجربة مررت بها عندما كنت أقطن أحد الأحياء الراقية اضطررت لطلب النجدة بسبب إزعاج أحد الجيران وفوجئت باهتمام بالغ من الشرطة بالشكوى من الإزعاج، عندما تكرر نفس السيناريو مرات أخرى، وكنت قد انتقلت لحي عابدين، حاولت الاستغاثة بالنجدة فوجئت بالسخرية وعدم الالتفات لما أعانيه حيث أني أقطن حيا فقيرا الآن، وليس من المحتمل أن أكون ابنة لأحد الوزراء أو اللواءات أو القيادات العليا.
في ظروف أخرى إن كنت تسير بسيارة فارهة فستتم معاملتك بحسب قيمة سيارتك وستلمس فارق المعاملة عن شخص آخر يقود سيارة هيونداي، أو فيات أو لادا.
لقد عاد الازدراء التاريخي بين الطبقات الآن مرة أخرى منذ ثورة 1952 التي أعلت من شأن الفلاح والعامل، بينما تنصهر اليوم طبقة وسطى بعضها يسقط في الفقر والآخرين خلف الأسوار، والبقية قرروا ترك الوطن والهجرة.
نعود الآن لنظام أشبه بـ"البشاوات" ومن يمتلكون الثروة ورأس المال، في مقابل أصحاب الحرف والفلاحين والعمال والموظفين، كل هذا يحدث بسبب التحولات التي لحقت بالثقافة المصرية التي تسود فيها ثقافة السوق والتي تحقّر من ثقافة عمل كل المنتجين، وهو الخطر الذي يحدث الآن بشكل فج وسافر وستكون النتيجة تجريف طبقات اجتماعية كاملة لحساب طبقات أخرى فيحدث اختلال القيم، وانتشار للجريمة والسخط الاجتماعي، وهو ما لم يتم النظر له جيدا ولم يتم عمل حسابه عندما قررت الدولة وضع خططها الاقتصادية وفقا لنظرة سطحية وغير دقيقة، حيث فحصت شريحة محدودة من الشعب معتبرة أن مستخدمي الأيفون أغلبية، وقاست زحام الشوارع بأصحاب السيارات الفارهة، ووجدت أن عليهم تحمل سياسات الإصلاح الاقتصادي، دون أن تفحص تقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة في النصف الثاني من عام 2016 والذي كشف نسبة من هم تحت خط الفقر والتي تتجاوز 85% وهي نسبة آخذة في الزيادة مع التضخم وزيادة الأسعار بشكل متواصل وانخفاض سعر العملة المصرية، وانخفاض الأجور، ما سيحرم قطاع كبير من المصريين من خدمات وأساسيات وحقوق كثيرة في الحياة تبدأ من الغذاء وحتى التعليم والصحة إلى الرفاهيات التي يحرم منها معظم المصريين اليوم.
في الحقيقة لابد أن نعترف جميعا والآن أن سياسات الإصلاح الاقتصادي الحالية خلقت بالفعل هوة شاسعة بين فئات الشعب، ولم يعد الأمر تصورا يحتمل الصواب أو الخطأ، بل أصبح واقعا ملموسا وحقيقيا، وتراجع بالفعل مستوى معيشة قطاع كبير من مواطني الطبقة الوسطى الذين لم تعد تكفيهم مرتباتهم التي لم ترتفع، وأصبحت نسبة الفقراء آخذة في الاتساع، مع التضخم الآخذ من جهة أخرى في القفز شهرا بعد الآخر، لتواجه مصر خطر اضمحلال الطبقة المتوسطة واختفائها فعليا وهي ظاهرة غير صحية تماما على المجتمعات، فالطبقة الوسطى هي وعي الأمة وفكرها حيث تفرز المثقفين ويولد منها المتعلمين وأصحاب العقول القادرة على التفكير والتغيير السياسي والاقتصادي والثقافي أيضًا، والتي إن اختفت اختفى معها كل أمل في التقدم والعلم بعد أن يفترسها الفقر أو يجبرها على الهجرة ويختل الميزان.
التعليقات