أفكار قديمة على حافة عام جديد!

أفكار قديمة على حافة عام جديد!
 
أعاد العام المانصرم 2016 تربيتى فى إتجاهات شخصية مختلفة، كان أهمها وعكات صحية فارقة لأقرب الناس لى ولنفسى أيضاً. مشاكل صحية جديدةوعنيفةعلىّ. ورغم أن االله أكرمنى بالخروج منها أو تقبلها بسكينة، إلا أن كل منها  قد تركت تغييراً واضحاً فى وعيى ونظرتى للحياة. أهمها آخرها حيث أجبرنى إلتهاب فطرى هاجم الجهاز التنفسى بأكمله على ملازمة الفراش حرفياً لمدة أسبوع كامل كانت فيه زيارة دورة المياة على بعد خطوات أمراً عسيراً..أسبوع كامل وأنا ملقاة فى حفرة عميقة مظلمة، أحاول الخروج بجهد جهيد مع كل مرة أرحب فيها بطبق من الحساء الساخن أو العصير، وأتلقاه بامتنان وكأن فيه سٌلم الخروج من هذا الخندق المعتم من التعب، ثم أنهيه  بصعوبة وأجدنى أغوص ثانية فى التعب وكأن جنيات شريرة تسحبنى ثانية. أغفو فأغوص فى عالم عجيب من الأحلام المٌتعَبة الزخمة بتفاصيل لاعلاقة لها بأى منطق وأصحو لتهاجمنى أفكار عميقة ترسم نفسها أمام عينىّ جملاً متسارعةلا تقبل التوقف قليلاً للتأمل وكأنها عرض معلوماتى فى محاضرة سريعة.
ومع العلاج، جاء يوم استطعت فيه أن انجح فى الخروج من الحفرة العميقة لنور النهار. أخذت أنفض عنى الغبار وأتلمس وقع خطواتى على الأرض بحذر وريبة وأنا أتلفت حولى. أتنفس الهواء الجديد بهدوء وجِل و أتبين الأشياء فوق الأرض. وجدتنى  أرى كل ما حولى ومن حولى فى ضوء جديد، وكأنهم إناساً جدد لم أعش معهم سنوات، أراقب المسافة بينى وبينهم باهتمام كما كنت أرقب صباحاً المسافة بين الفراش والباب فى محاولة لاستيعاب يوم جديد. أشياء كانت قبلاً معتادة صار لها وقع مختلف. مثلاً ذلك الصمت  الذى يملأ المسافة بين كرسىّ وأريكة زوجى ونحن نشاهد مسلسلاً قديماًاكتشفت أنه ليس صمتاً خالصاً بل ممتلئاً بالمعنى لآخره، أو طعم الشاى بالحليب على لسان صحيح مثل طعم بيت العيلة الدافئ أو نشر الغسيل  فى شرفة آمنة تحت سماء آمنة وغسل الأطباق بعد إطعام العائدين من أعمالهم ولملمة الملابس المبعثرة من غرف أولادى وأنا أتمتم بامتعاض، كلها كانت أشياء اعتيادية وأحياناً مزعجة، لكن حدوثها فى جو من الصحة والود والأمن كان أمراً جميلاً. اكتشفت أن العبور فوق الحفر اليومية التى تواجهنا منذ الصباح حتى المساء فى بلد مثل بلدنا نوعاً من البطولة كان من الواجب أن أحتفى بها من قبل. والأهم أنه لابد من تخفيف الوطء على الأرض حين نمشى وحين تعلو أصواتنا وحين ننادى بحقوقنا وحين نثور وحين نتهم الآخرين وحين نحكم على بعضنا البعض وحين نشتهى ونتقلب على جمر الشهوة وحين نحلم بخلود أسماءنا ورفرفة أعلام انجازاتنا. كل شيء تساوى وأنا فى قلب الحفرة المريضة.
تذكرة للنفس على حافة عام جديد، أرددها وأنا أخفض رأسى قبولاً لكل أقدار الله ولطفه الخفى..خففى الوطء يا نفس، خففيه. فكائن لايٌرى بالعين المجردة ألقى بك فى حفرة عميقة معتمة من الوهن.

 

التعليقات