شخصية العام

شخصية العام
 
طلب منى الناشر الصديق سليمان القلشى أن تكون مقالتى هذا العدد عن العام 2016 بصفتها المقال الأخير فى هذا العام، لكن قررت أن أستجيب لمطلب صديقى الناشر برواية القصة التالية التى وقعت لى نهاية عام 85.
كان عدد طلبة الدفعة 86 بكلية الإعلام جامعة القاهرة لا يزيد على 300 طالب وطالبة.. جاءوا للجامعة من مختلف محافظات الجمهورية تقريبًا حيث الريفى والصعيدى وكذلك ابن بحرى وأيضا ابن العاصمة بتدرجات أحيائها الشعبية والراقية.. كانت كلية الإعلام فى ذلك الوقت هى الوحيدة فى تخصصها المعنى بتدريس علوم الإعلام، ليس فى مصر وحدها بل فى جميع دول الوطن العربى لذا كان معظم الطلاب ممن نطلق عليهم مسمى كريمة طلبة الثانوية العامة.
دخلنا جميعا الكلية بنفوس شابة وقلوب خضراء.. وكل منا يمنى نفسه أنه يوما ما سيكون مثل هذا الصحفى اللامع أو ذاك المذيع المشهور.. كانت المناهج جاذبة عن حق للدراسة.. كما كان أساتذتنا قامة وقيمة وكنا نعمل لهم ألف حساب.. كانت قناعاتنا أننا نتلقى علوم الإعلام، إلى أن وقعت واقعة تركت أثرًا سيئا فى نفوس غالبيتنا وكنت أحدهم.. فماذا جرى؟
كنا ندرس مادة بعنوان (مناهج البحث) وكانت أستاذة المادة قامة علمية كبيرة لا تزال تدرس بالكلية حتى الآن.. متعها الله بالصحة والعافية.. المهم.. قامت الدكتورة بتوزيع عدة مئات من أوراق استبيان يضم مجموعة من الأسئلة على طلاب الفرقة الرابعة فى أواخر عام 85.. وهذا الاستبيان يستدعى منا كطلبة أن نسأل عنه عددا كبيرا من المواطنين، كل منا فى محافظته حتى يكون الاستبيان شاملا، بهدف الكشف عن آراء المواطنين فى مختلف محافظات الجمهورية.. ولأنه استبيان آخر العام فكان طبيعيا أن يضم أسئلة من عينة.. من هى شخصية العام من وجهة نظرك.. ما الحدث السياسى الأبرز فى رأيك.. من هو أفضل الوزراء أداء وهكذا.. المهم.. ذهب كل طالب إلى محافظته أو قريته وحرص أن يكون الاستبيان حقيقيا بمعنى ألا يكتبه هو بنفسه.. لم نكن عرفنا بعد الفساد فى تزوير الاستبيانات أو الاستفتاءات.. بعد أن عدنا من قرانا ومدننا ومحافظاتنا وجمعنا أوراق الاستبيان ، قمنا بتسليمها إلى دكتورة المادة التى حرصت فى أثناء تجميع الأوراق على إطلالة سريعة على أوراق الاستبيان ثم شكلت فريقًا من طلاب الدفعة مهمته الرئيسية هى تفريغ إجابات المواطنين التى وردت فى الاستبيان حتى يتم الخروج منها بإجابات محددة مثل من هى شخصية العام 1985 التى اختارها المصريون.. وماهو حدث العام من وجهة نظر المواطن المصرى.. وهكذا.. وفى تلك الجلسة أعلنت الدكتورة لطلاب الفرقة الرابعة التى أعدت هذا الاستبيان أن صحيفة الأهرام قد اهتمت بهذا الاستبيان وقررت أن تنشر نتائجه فى الأول من يناير من العام الجديد.. تقريبا كنا وقتها فى منتصف ديسمبر.. وفور انتهاء الدكتورة من كلامها، قمنا بتشكيل مجموعة عمل للتدقيق فى نتائج الاستبيان ومراجعته بدقة شديدة، ولمَ لا وصحيفة الأهرام بجلالة قدرها هى التى ستنشر نتائج الاستبيان الذى أجريناه.
عندما انتهينا من تفريغ البيانات.. قمنا بتسليمها للدكتورة.. وفوجئنا بأن أكثر من 90% من عينة البحث (المواطنون فى مختلف محافظات الجمهورية) قد أجمعت على اختيار فضيلة الشيخ محمد متولى الشعراوى كى يكون شخصية العام.. المهم.. سلمنا نتيجة الاستفتاء للدكتورة وانتهى الموضوع.. وبدأنا ننتظر جريدة الأهرام يوميا بفارغ الصبر.. حتى نقرأ ما قمنا به من عمل خصوصا أن الأهرام سوف يشير فى عناوينه إلى أن هذا الاستبيان جرى بمعرفة طلبة رابعة إعلام جامعة القاهرة.. وأخيرًا صدر العدد المنتظر من صحيفة الأهرام.. وكان يوم جمعة حيث العدد الأسبوعى لصحيفة الأهرام وكان المانشيت كالتالى.. فى استفتاء أجراه طلبة إعلام القاهرة.. المواطنون يختارون (الرئيس حسنى مبارك) شخصية العام.. (يا نهار أسود يا ولاد اللذينا) هكذا كان الكذب الفاضح.. المواطنون لم يختاروا مبارك شخصية العام بل الشيخ الشعراوي، وحتى تتم مداراة الكذب، أشارت الصحيفة فى أحد العناوين إلى اختيار المواطنين فضيلة الشيخ الشعراوى.. شخصية العام الدينية.
كانت صدمة وفاجعة كبيرة لنا جميعًا ونحن ما نزال عودا أخضر ندرس مبادئ الإعلام وقيمه.. كانت الصدمة التى كشفت لنا ما كنا نجهله ولم ننسها حتى هذه اللحظة.. إنه أهرام مبارك.. وستاد مبارك.. ومصر مبارك.. ومطار مبارك.. ومحطة مترو مبارك.. فكيف لا يكون مبارك هو شخصية العام.. وهو نفسه الذى يختار رئيس تحرير الأهرام.

 

kerbek@hotmail.com

 

 

التعليقات