أنقذوا جبانات القاهرة!

أنقذوا جبانات القاهرة!

 

بشّرتنا الصحف في الأيّام القليلة الماضية باجتماعات موسّعة بين محافظة القاهرة ووزارة الإسكان لتخليص القاهرة من جباناتها ومدافنها القديمة، وإنشاء مدافن جديدة خارج الكتلة السكنية، وتسليم هذه الأراضي التي تقع وسط العاصمة إلى شركات المقاولات لتحويلها إلى أبراج سكنية.
القاهرة التي تحتوي على مجموعة ضخمة وشديدة التنوع من الجبانات الأثرية يريد المحافظ هدمها بالكامل.مقابر اليهود، والأرمن، واليونان، والأقباط، واللاتين، والأتراك. النيكروبوليس أكبر مدينة موتى في العالم والتي تعرف أيضا بصحراء المماليك. الأضرحة الأثرية والمقابر التي صممها مجموعة من أشهر المصممين في العالم. شواهد الرخام والتماثيل ومئات الأعمال الفنية التي تراكمت على مدار أكثر من ألف سنة هي عمر مدينة القاهرة، إضافة إلى أجساد أشهر الشخصيات، وأجساد أجدادنا، كلها ستفرم تحت عجلات البلدوزر.

جبانات صحراء المماليك
جبانات صحراء المماليك

مقابر الأرمن بالسيدة زينب
مقابر الأرمن بالسيدة زينب

مقابر الأقباط بالجبل الأحمر
مقابر الأقباط بالجبل الأحمر

 

من قَدَر القاهرة أن يأتيها محافظون لديهم عداء شخصي مع التراث. المحافظ السابق كان لديه إصرار عجيب على إزالة جميع خطوط الترام المتبقية من القاهرة، رغم المعارضة الشديدة التي لاقاها إلا أنه قام بالفعل بإزالة جزء هائل منها، ورَصْف مسارات الترام وتحويلها إلى مسارات للأوتوبيسات بكل ما تحمله من تلوث. ذلك المشروع الفاشل الذي أدى إلى المزيد من الاحتقان في الشوارع التي تم تنفيذه فيها، ومازال مصرا على إزالة كل ما تبقى من خطوط ترام في مصر الجديدة، المعقل الأخير للترام الذي كان يغطي القاهرة بالكامل فيها مضى، بعد أعاده القدر كوزير للنقل، وذلك بالرغم من وجود مِنَح دولية لتطوير الترام، لكن لا حياة لمن تنادي.
أما المحافظ الجديد الذي أتى إليها من وزارة النقل، في لعبة كراسٍ موسيقية، فها هو يبدأ أولى كوارثه الكبرى مع القاهرة بهذا المشروع اللامعقول والبالغ الفجاجة.

للمصريين تاريخ قديم مع تدمير تراثهم وجباناتهم القديمة، خاصة أيام جمال عبد الناصر، ففي أيام عبد الناصر تم هدم أجزاء شاسعة من مقابر صحراء المماليك من أجل إنشاء طريق صالح سالم، منها الكثير من الأضرحة الأثرية ومقابر لشخصيات شهيرة، منها قبر المؤرخ الشهير المقريزي، كما تم هدم جزء كبير من الجسر الأثري الواصل بين قلعة صلاح الدين وقلعة محمد علي فوق جبل المقطم، وأجزاء من سور مجرى العيون.
في أيام عبد الناصر أيضا تم هدم جبانات الأنبا رويس الأثرية من أجل إنشاء الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، ومن ضمن ما هدم كنائس قديمة، منها كنيسة للعذراء بنيت تعود إلى عام 1888 كانت توجد مكان سلالم الكاتدرائية الحالية. ربما لم يتبق سوى الكنيسة الأثرية للأنبا رويس التي تعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي.

كنيسة الأنبا رويس بالعباسية
كنيسة الأنبا رويس بالعباسية

 

كما قام عبد الناصر بهدم المقبرة الملكية الموجودة في النبي دانيال بالإسكندرية، وضاع الكثير مما كانت تحويه من كنوز، والعجيب أن عبد الناصر الذي كان على عداء مع الأسرة المالكة بكل تراثها، قد وُضِع على قبره رخاما إيطاليّا كان الأمير محمد علي توفيق قد استورده من إيطاليا من أجل قبره الشخصي الذي شيّده في مقابر الخديوي توفيق!
يذكر أيضا أن نادي النصر الرياضي بمصر الجديدة قد بني أيضا على أنقاض مقابر هليوبوليس عام 1958.

صورة نادرة تعود إلى عام 1935 لمقابر هليوبوليس
صورة نادرة تعود إلى عام 1935 لمقابر هليوبوليس

 

نادي النصر الرياضي الذي حل محل المقابر
نادي النصر الرياضي الذي حل محل المقابر

بعد أن أجهزت شركات المقاولات على تراث القاهرة المعماري الفريد، وحولت تراث الأحياء إلى أبراج عشوائية عديمة الذوق بالغة القبح، يريد المحافظ الآن القضاء على ما تبقى من تراث الموتى وهدم المقابر على سكان القاهرة القدامى.
أنقذوا عظام أجدادنا! أنقذوا جبانات القاهرة!

 

التعليقات