اليوم الأول في ستكهولم: الدرس المستفاد من مسيرة المثليين!

اليوم الأول في ستكهولم: الدرس المستفاد من مسيرة المثليين!

بعد أن وصلت إلى عاصمة السويد قرب منتصف الليل واكتشفت جمال المدينة وسحرها الخاص ليلا، كان من الصعب الاستغراق في النوم العميق بينما حماس الاستكشاف يملأني، استيقظت مبكرا لألحق بوجبة الإفطار في بهو الفندق، والذي بالمناسبة يستخدم كمطعم وكقاعة استقبال أيضاً بدون أي إهدار للمساحات، بعد الإفطار قررت التجول حول الفندق مشيا على الأقدام رغم أنني لم أكن مستعدة للخروج فملابسي غير عملية وليس معي معطف المطر ولا حقيبة يدي ولا المفكرة الصغيرة التي كتبت بها خطة الزيارات التي وضعتها قبل سفري،لم يكن معي أي شيء على الإطلاق، لكن سحر الشارع جذبني لأتجول قليلا.

خرجت من الشارع الضيق الذي أخافني بهدوءه في الليلة السابقة ووجدته مازال مخيفا في الصباح فليس هناك مارة تقريباً، وصلت للشارع الرئيس لأجد نفسي أمام عدة مبان تاريخية عرفت بعدها أن أحدهم هو دار أوبرا استكهولم.

دار أوبرا استكهولم
دار أوبرا استكهولم

 

وما يلفت النظر في المدينة هو كثرة المسطحات المائية، فالمدينة أشبه بالميناء الكبير، ساقتني قدماي لمحطة يقف عندها عدد كبير من السائحين في انتظار "الأتوبيس الكبير" وهو نوع من الأتوبيسات موجود بعدد من العواصم الكبرى، وهو أتوبيس سياحي تابع لشركة خاصة وليس وسيلة مواصلات عادية، وعادة مايكون مفتوحاً من أعلى ليتيح للسائحين الإحساس بأنهم في مكان مفتوح أثناء الجولة التي يقطعها الأتوبيس والتي تستغرق ساعة ونصف تقريبا وتشمل أهم المعالم السياحية في المدينة. وقفت وسط المنتظرين للحظات، لم أكن خططت لهذه الجولة لكنني وجدت أنها فكرة لطيفة لبدء الرحلة بها حيث يمكنني الإلمام بكل المعالم المهمة خلال وقت قصير وبعدها أقرر ما الذي يمكنني البدء بزيارته. تذكرت أنه ليس معي نقود أو معطف فسألت عن بعض التفاصيل وقررت العودة للفندق للاستعداد ثم المجيئ مجددا..
لكن من الصعب على صاحب الداء أن يشفى منه بين ليلة وضحاها! فقد مشيت خطوتين في اتجاه الفندق ثم سريعا ما قادني حب الاستكشاف إلى شارع آخر بعيد، ومن شارع إلى شارع، حتى بدأت أشعر بالتعب ولم أعد أتحمل برد الصباح بملابسي الخفيفة التي ارتديتها سريعا فقط من أجل الإفطار. نظرت في الساعة لأجدني قد ضيعت نحو ساعتين في جولتي التي من المفترض أنها كانت خاطفة وفق ما قلته لنفسي عند خروجي من الفندق، فضلا عن أنني الآن شبه تائهة!

أقنعت نفسي أن الوقت الممتع هو وقت غير ضائع حتى ولو كان بلا هدف، لأنه ربما إحساسي  بالضياع في مدينة مجهولة هو هدف في حد ذاته. والشيء الأهم أن تصميم الشوارع في مثل هذه العواصم يجعلك تكتشف أنه يمكن لك كإنسان أن تمشي بحرية بدون أن يطاردك الآخرين بنظراتهم، وبأمان بدون أن تخشى الاصطدام بالسيارات أو التعثر في الرصيف المكسور، فضلا عن كونك قادرا على استنشاق هواءا نقيا أيضاً بدون أن تشعر بالذنب!
عدت للفندق في النهاية بعد محاولات لتذكر الطريق إليه، وهناك أعددت العدة للنزول وتمضية اليوم بالكامل في الشارع، سألت موظف الفندق أن يساعدني في تنظيم اليوم، فالأماكن كثيرة ولدي رغبة في زيارتها كلها بدون إهدار للوقت، بدأ الموظف في قراءة البرنامج الذي وضعته والتفكير بعناية وإخلاص حتى يتمكن من تقديم أفضل نصيحة لي عن الأماكن القريبة التي يمكن زيارتها في يوم واحد أو التي يجب أن أتجنبها في أيام معينة وهكذا.

نصحني بأن أؤجل جولة "الأتوبيس المفتوح" ليوم آخر، لأنه يتصادف وجود مسيرة كبيرة للمثليين في مدينة استكهولم في صباح هذا اليوم، وهذه المسيرة المحددة مسبقا سواء من حيث الموعد أو خط السير قد غيرت مسار المواصلات العامة وبالتالي فإن جولة "الأتوبيس المفتوح" ستكون أقصر في هذا اليوم بالذات ولن تتوقف عند كل المعالم المهمة كما هو معتاد.

رغم إحباطي لما قاله إلا أنني لم يسعني سوى الإعجاب بدقة الموظف ومعلوماته المحددة، في الحقيقة لم أكن لألقي اللوم عليه لو ركبت الأتوبيس السياحي واكتشفت أن الجولة أقل مما هو معتاد بسبب تلك المسيرة.. لكن ما أثار إعجابي هو أنه لم يتردد في إعطائي المعلومة الكاملة والدقيقة وترك الاختيار لي بعدها. لم أرجع ذلك لأمانة الموظف فقط بقدر ما أرجعتها لمنظومة متكاملة من التخطيطمتفق عليها بين الحكومة والمواطنيين، فالمسيرة نفسها بغض النظر عن هدفها هي مسيرة مخطط لها مسبقا من قبل الأجهزة المعنية، وخط سيرها معروف، لدرجة أن الأتوبيس السياحي قد غير خط سيره لإتاحة الفرصة للمشاركين بها للسير في نوع من الارتياح والأمان، وإتاحة الفرصة للسائحين لتجنب الزحام في المناطق التي تمر بها المسيرة! حتى أن المعلومة أصبحت متاحة لموظف فندق صغير في منتهى البساطة ينقلها لسائحة بائسة غير معتادها على مثل هذا النظام والتخطيط واحترام حقها في المعرفة والاختيار في موطنها الأصلي.. الدرس المستفاد الذي خرجت به من نصيحة الموظف أن "التخطيط جميل"!

ما أحوجنا في الحقيقة للتخطيط حتى في أبسط الأمور.. سرحت قليلا في تلك الفكرة ثم أخبرت الموظف أنه بناءا على نصيحته فأنني سأخصص اليوم لزيارة أحد المتاحف،فأخبرني أن أمشي لدقائق قليلة في اتجاه معين حتى أجد الترام الذي يوصل لمنطقة المتاحف، وناولني خريطة قام بوضع علامة عليها لشرح الاتجاهات لي بشكل مبسط.

الجميل في تخطيط المدينة أن المتاحف كلها موجودة في منطقة واحدة، مما يعني إمكانية زيارتها كلها في يوم واحد نظرياً، لكن لأن زيارة كل متحف تحتاج لوقت طويل نسبيا فقررت أن أكتفي بزيارة متحف واحد في صباح كل يوم، على أن أكمل اليوم بزيارة معالم أخرى أو ربما التنزه في أماكن مفتوحة.

تمشيت حتى محطة الترام ووجدت فتاة ترتدي غطاء الرأس فهمت أنها عربية فطلبت منها التقاط بعض الصور لي. وعرفت منها أنها سورية لكن بسؤالها عن معالم المدينة لم تكن تقريبا تعلم أي شيء. ومن الملفت هنا وجود الكثير من العرب حيث أن السويد كانت من الدول التي استقبلت عدد كبير من اللاجئين السوريين بعد الأزمة السورية.

اتجهت للترام بعد حديثي القصير مع الفتاة السورية، لم استطع مقاومة السير على القدمين بسبب جمال الطبيعة، فالمدينة محاطة بالماء مما يجعلها أشبه بالجزيرة أو هي في الحقيقة مجموعة جزر متصلة أو مايسمى جغرافيا "أرخبيل"، عرفت بعدها أن ثلث مساحة المدينة عبارة عن مسطحات مائية وثلثها الآخر مساحات خضراء وحدائق.. قررت متابعة السير جنبا إلى جنب مع خط الترام، فطالما الترام يوصل لمنطقة المتاحف، فإن السير بجانب القضبان بالتأكيد سيؤدي بي لنفس الاتجاه! تابعت السير لكن طبعا ليس بشكل سريع لأن الطريقممتع في حد ذاته ويشجع على التسكع والتأمل.
لفت نظري وجود أشخاص يجلسون بمجموعة من الدراجات المتاحة للإيجار، توقفت عند أحدهم لاسئجار واحدة لكن كانت معظم الدراجات غير موجودة فيما عدا دراجة أو اثنتان كبيرتان جدا، فقررت تأجيل الأمر ليوم آخر.
ومن الملفت أن الدراجات هنا تملأ الشوارع، كل الأعمار تقريبا تستخدم الدراجات، حتى كبار السن يتمتعون بلياقة كبيرة تجعلهم يتمكنون من ممارسة هذه الرياضة بل واعتبارها وسيلة مواصلات أيضاً، والجميل أن هناك ممرات مخصصة للدراجات في كل الشوارع بلا اسثناء.

الجسر الذي يصل بين وسط المدينة وجزيرة المتاحف
الجسر الذي يصل بين وسط المدينة وجزيرة المتاحف

 

أكملت سير حتى وصلت لجسر مخصص للسيارات وللمشاة وبه أيضا مسار للدراجات.. فور عبوري له كنت في منطقة تسمى Djurgården  وهي الجزيرة التي تحوي معظم متاحف استكهولم وهي الأكثر اكتظاظا بالسائحين.
قررت أن أبدأ بمتحف من أهم متاحف ستكهولم يسمى Vasa Museum وهو متحف يحوي سفينة حربية كبيرة حقيقة غرقتواختفت منذ القرن السابع عشر،  حيث تم العثور عليها  بعد نحو 330 عام، ومن ثم تجميعها وبناء متحف خاص لها، وقد نصحتني إحدى الصديقات السويديات قبل سفري بوضع هذا المتحف على رأس أولوياتي حتى لو لم يتسع الوقت لزيارة غيره من المتاحف لأنه الأشهر والأكثر ازدحاما في المدينة. ورغم عدم افتتاني بفكرة السفن العملاقة إلا أن هذه النصيحة قد حمستني للبدء به.. على الأقللأتعرف على النسخة السويدية من تيتانيك طالما أتيحت لي هذه الفرصة عن قرب! وللحديث بقية..

مبنى المتحف من الخارج على هيئة سفينة أيضاً
مبنى المتحف من الخارج على هيئة سفينة أيضاً

 

التعليقات