بعد منتصف الليل في استكهولم: سر النجفة الكريستالية!

بعد منتصف الليل في استكهولم: سر النجفة الكريستالية!

أوصلتني سيارة الأجرة إلى الفندق في وقت قصير لم يتعد العشر دقائق، ورغم أن الفندق من المفترض أن يكون في وسط العاصمة، إلا أنني وصلت لاكتشف أنه في شارع جانبي صغير.

عندما وصلت سارع السائق كعادتهم هناك وكما هو مفترض أصلا، بإنزال حقيبة سفري بسرعة وتهذيب وبلا أدنى تأفف يذكر، سألته إذا كان متأكد أن هذا هو العنوان الصحيح فأكد لي على ذلك بشكل قاطع وواثق ثم رحل.

وقفت أنظر للشارع بمزيج من الإعجاب والخوف. فالأضواء خافتة والساعة قد تجاوزت منتصف الليل، كما أنه لايوجد مارة ولاسيارات! كأننا في مدينة خيالية افتراضية نزعت صورتها من كتاب أجنبي. ومع ذلك فهناك شعور عام بالأمان، فكل شيء مستتب وهاديء يدعو للطمأنينة... والرهبة معا!

كنت قد عرفت أثناء إجراء الحجز عبر الإنترنت أن الفندق هو فندق تاريخي قديم تم تجديده وإعادة افتتاحه مؤخراً، كان ذلك من دواعي إدخال بعض الرهبة على قلبي في الحقيقة.

اتجهت لمبنى الفندق حيث أن الاسم مكتوب بشكل واضح أعلى المبنى الصغير القديم، لأبحث عن باب المدخل ولا أجده. أتلفت حولي لأجد بابا قديما وجميلا لكنه مغلق على عكس ماهو معتاد في الفنادق التي لاتغلق أبوابها.

قمت بطرق الباب وضرب الجرس عدة مرات بلا جدوى.. ما العمل الآن والشارع هادئ جداً ولا يوجد من يمكنني سؤاله، كما أنه من الصعب الاتصال برقم الفندق من تليفوني المصري كي أسألهم عن مكان الباب!

تسمرت للحظة ثم حاولت قراءة المكتوب أعلى الباب ففهمت أنه مبنى لإحدى السفارات.. إنه إذن ليس باب الفندق.. شعرت بالحرج لإصراري على طرق الباب ونظرت لأعلى لكنني لم أجد أثرا للإزعاج الذي قد تسببت به، بالتأكيد  لايوجد أحد بالمبنى الآن.

مشيت قليلا أبحث عن حل لما أنا فيه، فوجدت سهما صغيرا جدا على المبنى يشير لاتجاه معين ومكتوب بجانبه اسم الفندق بخط دقيق.. تتبعت السهم لأجد نفسي أدور حول المبنى وأجد الباب أخيراً في شارع جانبي آخر.

المكان رائع ونظيف وطرازه أوروبي وله طابع تاريخي لكن لا أثر لإنسان.. تلفتت في بهو الفندق الضيق والأنيق وحاولت أن أنادي بصوت عال، وبالفعل خرجت فتاة شقراء من غرفة ضيقة جدا لتستقبلني.. بعد لحظات كان معي مفتاح الغرفة ولكنني شعرت بغربة شديدة.. حاولت التلكأ والبقاء للحظات لفتح حوار مع الفتاة بأي شكل، سألتها عدة أسئلة عن المدينة وهل هي آمنة للخروج ليلا رغم أنه لم يكن في نيتي الخروج بالطبع.. لكنه حديث والسلام!

والغريب أن الفتاة قد شجعتني على ترك حقيبتي بالغرفة والخروج والمشي قليلا.. استغربت ما تقوله فالوقت متأخر ولكنها أكدت لي بشكل حاسم وبثقة أن الشوارع الرئيسية المحيطة بالفندق آمنة حتى في هذا الوقت المتأخر طالما مازلنا في فصل الصيف وهو فصل انتشار السائحين في العاصمة السويدية، ثم استفاضت في الحديث عن ظروف عملها وأنها تمشي في الشارع في كل الأوقات بأمان شديد..إلخ

صعدت للغرفة لوضع الحقيبة، كانت الغرفة أنيقة لكنها ضيقة بشكل لم أر  له مثيل من قبل.. لدرجة أنني تخيلت أنهم قد وضعوا السرير والمكتب الصغير في منتصف الغرفة أولا ثم بنوا الجدران من حولهما !

لفتت نظري نجفة كريستالية نحاسية ليست صغيرة الحجم معلقة فوق السرير مباشرة. في الحقيقة أزعجني وجودها، فالسرير نفسه ضيق جدا ولا يحتمل هذا الشعور بالثقل أعلى النائم فوقه!  عوضني عن ضيق الغرفة أناقتها الكلاسيكية ونظافتها المبالغ فيها.

نزلت مرة أخرى وقد قررت العمل بنصيحة موظفة الاستقبال والمجازفة بالتجول ليلا في الشوارع المجاورة. وجدت الفتاة قد اختفت من جديد في الغرفة الصغيرة ببهو الاستقبال، وكنت أعلم طبعا أنها مستيقظة لأنها مفترض أن تكون في ساعات العمل،فلم أتوقع منها أن تغفو كموظفة شهر عقاري مصرية عادية بحجة أنها مرهقة!

رغم أن حجتها في ذلك قد تكون مقبولة حيث أن الوقت متأخر ولايوجد عمل ولا بشر غيري تقريبا.. مررت بالغرفة ورفعت صوتي لتنتبه وتخرج لي مجددا.. لأفتح معها أي حوار بلا أدنى طائل مجددا !  سألتها عن النجفة "العملاقة" المعلقة فوق السرير.. وقصدت أن أتحدث بصيغة المبالغة لأرى رد فعلها.. وأخبرتها أنه من المزعج وجودها بهذا الشكل وهل هي موجودة بكل الغرف، وهل انزعج منها نزلاء سابقين أم أنني الأولى التي تفعل ذلك؟!

في مثل هذه الظروف وبافتراض وجودي في مصر أتوقع أن أرى الامتعاض على وجه الموظفة على أقل تقدير.. لكنني فوجئت برد تفصيلي متخصص، عن إصرار مصمم الديكور على وضع النجفةلتتماشى مع تاريخ المبنى، وأنها تتبع أعلى درجات الأمان لوجود أسلاك ذات مواصفات معينة تشدها بقوة لأعلى وتمنعها من الوقوع... تابعت الفتاة الكلام لتصف بدقة تكنيك تعليق النجفة في سقف الغرفة وسط انبهاري وعدم توقعي لمثل هذه الإجابة المفصلة التي اتسع عقلها لحفظها وصدرها لتسميعها لنزيلة تلقى أسئلة عبثية في الساعة الواحدة صباحاً! شكرتها وخرجت من الفندق وأنا سعيدة وهي تسارع بالاختفاء مجددا داخل الغرفة الضيقة جدا.

شعرت بالامتنان للموظفة التي أجابت على سؤالي العابر بالتفصيل وبكفاءة كبيرة.. وخطوت في الشارع وأنا أفكر في مفاهيم شغلت عقلي وقتها.. الكفاءة والفعالية، والاقتصاد.. الكفاءة في تعامل الموظفة مع متطلبات وظيفتها، والكفاءة في كونها موظفة واحدة تدير المكان في الوردية الليلية ولا تكاد تشعر بوجودها لكنها متواجدة بالفعل وبدون تقصير.

والاقتصاد في تشغيل الموارد البشرية.. فالمكان يعتمد عليها فقط.. طبعا اكتشفت تغير الفتاة مع تغير الوردية وهذا أمر طبيعي.. لكن دائما وأبداً هناك فرد واحد في الوردية الواحدة.. وهو موجود ويملأ مكانه.. ويرد على استفساراتك وعلى الهاتف ويخرج أحيانا معك خطوات للشارع ليصف لك الطريق.. كل ذلك بابتسامة مهذبة. وقد لاحظت ذلك في عدد من المطاعم أيضا حيث توجد فتاة واحدة تفعل كل شيئ رغم اكتظاظ المطعم بالزبائن!!

في الحقيقة إن مقارنة المواطنين هنا بمواطنينا مقارنة ظالمة.. فطبيعة الحياة هنا تكفل للفرد صحة بدنية وعقلية تمكنه من القيام بعمله بفاعلية نفتقدها نحن.. فالمسألة من وجهة نظري ليست تكاسلا متعمدا لدى المواطن المصري بقدر كونها مشكلة أكبر تتعلق بمعطيات المجتمع وجودة الحياة التي تتوافر للفرد فيه!

وبالعودة لمفهوم الاقتصاد.. فالاقتصاد لا يقتصر  هنا على الموارد البشرية فقط، بل الاقتصاد في المكان أيضاً.. فالفندق أنيق لكن البهو الخاص به لا يقارن بفنادق القاهرة الواسعة، والبهو عبارة عن مكان للجلوس ولتناول الوجبات أيضاً.. وظيفتان في مكان واحد صغير لكن منظم وموظف جيداً.. طبعا لأن المساحات في المدن الأوروبية لها ثمن وليس من السهل إهدارها، لكننا في الحقيقة قد نكون أولى بهذا في القاهرة التي تفتقر  إلى هذا المبدأ بشكل كبير.. فالمكان قد يكون واسع لكن الخدمة سيئة، والموظفون عددهم كبير لكن لا أحد يساعدك في الحقيقة.

طردت أفكاري وحاولت الترحيببالهواء النقي الذي استقبلني خارج الفندق، واستجمعت شجاعتي لأسير مبتعدة وأنا لا أعرف الاتجاهات وأخشى ألا أعرف كيف أعود.. وجدت كنيسة صغيرة أمام الفندق برتقالية مميزة الشكل رغم صغرها ولها برج أخضر مرتفع نسبيا.. شجعني شكلها المميز على الابتعاد على أمل أنني سأبحث عنها بين المباني في طريق عودتي.. سرت وأنا اتلفت خلفي لأنظر لها كلما ابتعدت فأجدها ظاهرة فأتشجع وأبتعد أكثر..

 

 

بالقرب من الفندق ساحة تسمى حدائق الملك.. وبالرغم من هدوءها إلا أن هناك أشخاص متفرقون يجلسون على المقاعد المرصوصة أمام البحيرة الصغيرة في منتصف هذه الحديقة.. ابتعدت أكثر لأرى محل من محلات الأنتيكات التي أغلقت أبوابها لكن أضواءها مازالت منيرة.. لأجد نفس النجفة الموجودة بغرفتي معروضة في المحل بأحجام متنوعة! وفي الأيام التالية كانت نفس النجفة بنفس التصميم حرفيا في أكثر من مكان من المتاحف والقصور الموجودة بالعاصمة.. مما أثار فضولي لأعرف ما السر وراء انتشار هذا التصميم بالتحديد وهو السؤال الذي لم أجد له إجابة حتى الآن!

 

 

ابتعدت قليلا لأرى فندق كبير يسمى الجراند أوتيل عرفت أنه أقدم فنادق العاصمة وأنه مقر  مبيت الحاصلين على جوائز نوبل السنوية فضلا عن مشاهير الفن والسياسة.. وأمام الفندق وحوله الكثير من المسطحات المائية الأشبه بالموانئ.. حيث تنتشر المراكب واليخوت الصغيرة حيث يُستخدم بعضها كفنادق للسائحين رغم صغر حجم الغرف الموجودة داخلها.

 

 

على مقربة من الجراند أوتيل وجدت أضواء تتلألأ لسفينة.. أو ربما هيكل فقط يأخذ شكل السفينة.. بهرني منظرها لسبب لا أعرفه وتلفّت حولي في محاولة لمعرفة علامات حولها قد تدلني على كيفية الوصول لها مجددا في الأيام التالية.. ما أن أطمئننت لذلك حتى غادرتها على أمل العودة إليها في يوم آخر!

 

 

المدينة ساحرة وهناك أشخاص يسيرون بطمأنينة رغم تأخر الوقت.. يبدو أن ماقالته موظفة الفندق صحيحا.. قررت أن أثق بها بعد تلك التجربة!

لاحظت أن الكثير من الشباب يتحدث اللغة العربية.. هل هم لاجئون سوريون؟ لا أعتقد رغم علمي أن المدينة تكتظ بهم.. أعتقد أن لهجتهم عراقية..

توقفت أمام إحدى الفتيات التي كانت جالسه على مقعد في الشارع لأسأل عن مكان سوبر ماركت قريب،فأخبرتني أنها مسافرة وأن موعد قطارها بعد وقت قصير ولهذا تنتظر في الشارع.. وتطوعت بالسير معي لتريني المكان بالتحديد، وهو ما فاجأني أيضا ولم أتوقعه في هذا الجزء البارد من العالم!

شكرتها فتركتني وهي تعتذر لي عن أن لغتها الأنجليزية ليست جيدة رغم أنها تتقنها تماماً من وجهة نظري.. ابتسمت للطفها وعدت أدراجي في طريق الفندق وبحثت عن الكنيسة الصغيرة ببرجها المميز.. ومن ثم إلى الفندق الصغير المختبئ خلفها.. وللحديث بقية بإذن الله.

التعليقات