لحظة التحول!

لحظة التحول!

- من النسخة الورقية

تدور أحداث الفيلم الإيطالى سارق الدراجة (إنتاج 1948) فى روما فى عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. الاقتصاد محطم تماما وكل فرد يعانى لتوفير مجرد الاحتياجات الأساسية. يحصل أنطونيو ريتشى -بطل الفيلم - على وظيفة أخيرا لكنها مشروطة بامتلاكه دراجة. فى يوم العمل الأول تسرق الدراجة منه! إنها مصيبة كبرى ستجوع بسببها أسرته. يجوب البطل روما مع ابنه طيلة الفيلم بحثا عن السارق، ثم يعثر عليه فعلا لكنه لا يستطيع أن يحصل منه على حق أو باطل. إنه مجرد مقهور جائع آخر.

يصل أنطونيو ريتشى إلى قمة اليأس. يظل يتأمل الدراجات التى تجوب المدينة التى يكمن خلاص أسرته فى إحداها، ثم يقرر: سيقوم بسرقة دراجة.

فى هذه اللحظة، تحوّل شخص شريف تحت قهر اليأس والحاجة الملحة والضاغطة إلى لصّ.

نعيش الآن فى مصر ظروفا قريبة من ظروف زمن الفيلم بالرغم من أننا لم نخض حروبا. لقد تهاوى اقتصادنا كبالون مثقوب وصار ينكمش بسرعة خارقة دافعا بالمزيد والمزيد من الناس إلى ما تحت خط الفقر. ارتفاع هائل فى أسعار كل شىء مع اختفاء شبه تام لعديد من السلع الأساسية.

صارت الطبقة المتوسطة تعانى أشد المعاناة، فما بالك بالذين كانوا تحت خط الفقر من الأصل؟ الذين عجزوا عن توفير -ليس العمل والمسكن والملبس- بل مجرد المأكل لأسرهم؟ كل هؤلاء مرشّحون بشدة للمرور بلحظة التحوّل التى مر بها بطل فيلم سارق الدراجة. فى لحظة ما سيدفع اليأس بهؤلاء الناس إلى السرقة، وربما ما هو أكثر: ممارسة العنف.

يقولون لنا الآن إننا لا يجب أن نهتم بالسكر والأرز والزيت، باعتبار أن هذه الأشياء توافه لا يجب على الشخص الوطنى الاهتمام بها. يجب علينا أن نهتم وندعم المشروعات القومية الكبرى التى تنفذّها الدولة. حسنا، لكن كيف يكون هذا الدعم؟ أهو بالتوقف عن الأكل والشرب؟ بالتوقف عن الحياة؟ وإذا توقفنا عن الأكل والشرب فكيف سيؤدى هذا إلى إفادة وإنجاح المشروعات الكبرى؟ هل يجب أن نموت كى تحيا مصر؟ وإذا متنا ماذا ستستفيد مصر؟ ومن هى مصر؟ أليست مصر هى نحن الذين نعيش فيها؟ إن أُفرِغَت مِصر من سكانها فماذا سيتبقى منها؟

تزداد المعاناة وتضيق السبل وتضغط الحاجة على الضمير فيسقط الإنسان فى دوامة اليأس وعندها تحدث لحظة التحول. يمدّ أنطونيو ريتشى يده إلى الدراجة. يخطفها ويهرب. يمدّ الناس أيديهم إلى ممتلكات الآخرين. تزداد السرقات وينتشر السطو والسلب والنهب فى البلاد، فتصبح مكانا خطيرا غير قابل للعيش فيه. هذا هو الخطر القادم إلينا فى مصر.

 

 

 

 

 

 

 

 

التعليقات