قبل منتصف الليل في استكهولم: الليلة الأولى!

قبل منتصف الليل في استكهولم: الليلة الأولى!

 

كانت ليلة وصولي إلى مطار أرلندا باستكهولم ليلة طويلة جداً، فقد وصلت قبل منتصف الليل بقليل، ثم تلفتت حولي لأرى أيه إجراءات أمنية متعلقة بختم جواز السفر وخلافه، لكن ماحدث هو عدم وجود أيا من هذه الإجراءات.. ببساطة "محدش بيقول لي أنتي بنت مين وايه اللي جابك هنا".. هل هي وكالة بدون بواب؟
بررت ذلك أنني قد توقفت ترانزيت في مطار فيينا بالنمسا حيث تم ختم الجواز بالفعل والدولتان تنتميان لمجموعة "الشنجن" حيث أن تأشيرة دخولهما واحدة وربما كان ذلك هو السبب.. المهم أن الخروج من المطار لا يستلزم أية أجراءات طويلة ولا معقدة وهو الأمر الذي سعدت به رغم عدم اعتيادي عليه.
كنت قد فكرت قبيل سفري أنه ربما من المناسب أن أقضي يوما أو أكثر في مدينة فيينا طالما سأقف بها ترانزيت على كل حال، فليس هناك طيران مباشر بين مصر والسويد، فقط عبر دول أخرى، وكان من المقرر أن أسافر عبر الخطوط التركية لأقف في مطار اسطنبول لمدة ساعتين قبل أن أعاود الطيران لجهتي الأخيرة، لكن لأن محاولة الانقلاب العسكري في تركيا كانت قد وقعت قبل سفري بفترة قصيرة، ورغم أن المطار كان قد بدأ في العمل مجددا بعد فشل الانقلاب وقيام أردوجان بالقبض على طوب الأرض، إلا إنني قررت الابتعاد عن الشر والغناء له!
أما فكرة التوقف في فيينا ليوم من أجل مشاهدتها فقد ألغيتها أيضا لأنني قررت أنه ربما من الأفضل أن أمكث بمكان واحد لأستكشفه على مهل، فماذا يفيدني إن شاهدت مدينة كبيرة لمدة يوم واحد فلا استطيع الإلمام بتفاصيلها بل وأغادرها حزينة لعدم تمكني من "الشبع" منها! أتمنى أن تكون نظريتي صحيحة لأنني بالفعل طبقتها لمدة طويلة جداً ولا أريد الآن أن أعرف أنها خاطئة.
وصلت إلى المطار باستكهولم ثم بدأت في محاولة تذكر الملاحظات التي دونتها قبل سفري، فالمدينة تصبح هادئة وربما غير آمنة ليلا والأفضل أن أقرر سريعا نوعية المواصلات التي سأركبها لأصل إلى الفندق الذي يبعد نحو ساعة من المطار.
طبعاً كان الوصول للمدينة ليلا في حد ذاته سببا قويا لإصابتي بالكآبة، فليس هناك أسوء من ترك المنزل في القاهرة المزدحمة في الصباح وعدم الوصول إلى وجهة السفر سوى قرب انتصاف الليل، يعني ذلك أنه ليس أمامي سوى النوم وانتظار نحو سبع ساعات كاملة حتى أتمكن من التجول بالمدينة! وكم هو مخيف أحياناً النوم في غرفة فندق صغيرة بدولة أوروبية، خاصة عندما تكون قد وصلت إليها في ظلام الليل! هل كانت فكرة السفر خطأ من الأساس؟
طردت هواجسي وحاولت أن أركز في القرار الحالي الذي يجب أن اتخذه..ماذا سأركب من المطار إلى الفندق؟!
عرفت من البحث في الانترنت أن التاكسي من المطار لوسط المدينة قد يكلف نحو 600 كورونا وهو مايعادل نفس المبلغ تقريبا بالجنيه، كما أن "أوبر" ليس أرخص كثيرا، وعلمت أن هناك أيضا مواصلات عامة رخيصة نسبياً، فهناك أتوبيسات، وأيضا هناك القطار السريع وهو مخصص لنقل الركاب من المطار للمحطة المركزية بوسط استكهولم في وقت لايتجاوز العشرين دقيقة،والعكس صحيح. شعرت أن التاكسي هو الأكثر أمانا، لكنني لم أستطع منع نفسي من محاولة الوصول للقطار كنوع من التحدي ليس أكثر.
سألت أحد العاملين بالمطار عن مكان وقوف القطار ولم أكن قررت بعد أنه الوسيلة الأمثل، لكن أردت أن أعرف مدى بعد المحطة عن المكان الذي أقف به في صالة الوصول لأقرر إذا كان هو الأنسب.
أشار لي العامل في اتجاه معين وابتعد. وقفت لحظات في حيرة ثم عرفت أن هناك مصعد يوصل مباشرة لمكان تواجد القطار، فسحبت حقيبتي واتجهت اليه!
وجدت جهاز واضح أنه مخصص لقطع تذاكر القطار، والناس من حولي متفرقون يقومون بقطع التذاكر من الجهاز الذي يشبه ماكينات سحب النقود والتي أكره التعامل معها.
لم أشعر بحرج عندما سألت شاب وفتاة عن كيفية حجز تذكرة للقطار وسارعا بالابتسام معتذرين عن جهلهما أيضا وأنهما سيجربان للمرة الأولى حجز تذكرتين. وقفت لثواني لأراقبهما  ثم لأتأكد أن الماكينة تقبل الكارت البنكي الخاص بي، وفعلا نجحت في شراء تذكرة أخيرا.
وكان علي بعدها التوجه حيث القطار، نظرت حولي لأجد الكل يسير بسرعة ويعرف أين يتجه، وهنا الناس يمشون بسرعة مثلهم مثل البشر في الدول الغربية كلها، ولايعني ذلك أنهم غير متعاونين أو أقل إنسانية لكن الكل يعرف وجهته، كما أن النظام والحكومة تساعدان الأفراد على الإنجاز والفعالية بدون "الحوجة" إلى السؤال.. حتى في أبسط  الأمور مثل استخدام المواصلات أو الحمامات العمومية!
وصلت للقطار لأجد كل مافيه مطمئن، فأنت لست بحاجة للتلفت حولك وسؤال المارة عن أي شيئ، فالقطار يعلن بالصوت والصورة عبر شاشة صغيرة أنه متجه لوسط المدينة، كما يعلن عن وقت الرحلة وأماكن الحمامات، وهناك موظف يمر في هدوء ليرى التذاكر في يد الركاب بلطف وسرعة، كما أنه يرحب جدا بالإجابة عن أي سؤال بوضوح واحترام وبالتفصيل وبدون أن يلقي نظرة توحي بأي معنى حتى لو كان السؤال مستفزا مثل أسئلتي الكثيرة.
جلست وقررت أن استرخ ووجدت بجانب مقعدي مخارج كهرباء فأخرجت هاتفي لأشحنه في فرحة وأنا غير مصدقة، وتزداد المفاجآت لأجد الهاتف يلتقط شبكة إنترنت مجانية وقوية جداً تحمل اسم القطار السريع . توقعت أن يكون هناك إنترنت مجاني بالمطار لكن بالمواصلات العامة لم أكن أتوقع ذلك في الحقيقة.
دخلت على خريطة استكهولم من هاتفي لأحسب المسافة بين محطة القطار حيث سأصل بعد دقائق وبين مكان الفندق، وجدتها تستغرق نحو ربع ساعة مشيا على الأقدام.
نزلت من المطار ومشيت عدة خطوات لأجد شكل آخر للشارع غير الذي توقعته.. فالشارع به بعض الشباب يسيرون في كل اتجاه.. وليس خالي تماما كما توقعت في هذه الساعة المتأخرة من الليل.. ربما السبب هو أننا في عطلة نهاية الأسبوع حيث يسهر الناس على عكس عادتهم طوال أيام العمل المعتادة.
لاحظت أيضا أن الكثير من ركاب القطار ممن هم قادمون من المطار بحقائب السفر قد تحركوا فورا مشيا على الأقدام.. يبدو أن الأمر معتاد أن يسير الناس من محطة القطار لوسط المدينة بدون اللجوء لسيارة أجرة رغم ثقل أمتعتهم وهو ما لم أستطع أنا فعله ببساطة، في الحقيقة فكرت للحظات أن أفعل ذلك لكنني لم أكن أضمن أن أعرف عنوان الفندق بدقة اعتمادا فقط على الخريطة.
أوقفت سيارة أجرة  أخيرا وأمليت العنوان للسائق، وقد تصادف أنه لايعرف الإنجليزية على عكس معظم سكان ستوكهولم.. لكنه أوصلني للمكان الصحيح في وقت قصير جدا.

استكهولم في الليل

وفي الطريق وخلال الدقائق القليلة في السيارة كانت المدينة تبدو براقة، ليس كبريق لندن لكنها لاتزال فوق مستوى توقعاتي، وهناك أفراد متفرقون يسيرون في كل مكان، كما أن عادة المحلات الكبرى بالدول الأوروبية أن تترك جميع الأنوار مفتوحة طوال الليل بما يوحي بالحياة في الشوارع بالرغم من حلول موعد النوم فعليا بالنسبة لغالبية السكان.
قابلت أيضاً فتاتان تركبان الخيل.. وترتديان زي الشرطة السويدية وتسيرا وسط السيارات بشكل عادي جدا بل وتقفا في إشارة المرور الحمراء، وهو المنظر الذي أثار استغرابي، فعادة ما يتم استخدام الخيل من قبل الضباط في المسيرات ذات الطابع الشرفي أو الاحتفالي.

 شرطيتان على ظهر الخيل في إشارة مرور بوسط  مدينة استكهولم- صورة من داخل سيارة الأجرة

كان منظرهما لطيفا على كل حال وليس بعيدا عن روح أوروبا الساحرة التي تنعم بالحرية والمساواة رغم وجود الأنظمة الملكية في الحكم حتى يومنا هذا، الأمر الذي يخلق مزيجا فريدا من نوعه بالنسبة لي على الأقل.. وللحديث بقية.

التعليقات