السكر المر!

السكر المر!

آخر مرة رأيت فيها كيسا من السكر كانت منذ نحو أسبوعين. كان ذلك في كارفور وكان الكيس يباع بتسعة جنيهات وخمسة وسبعين قرشا؛ أقل بخمسة وعشرين قرشا من السعر الذي وصل إليه السوق.

 

لكن السكر اختفى تماما بعد ذلك. إنه غير موجود لدى أي متجر كبيرا كان أو صغيرا، ولا لدى الجمعيات التموينية، لا بالرخيص ولا بالغالي.
كيف حدثت الأزمة أصلا؟ لا أحد يعرف ولا أحد يفهم شيئا. يقولون – بالطبع – أنه جشع التجار. تلك الحجة الجميلة الجاهزة التي تصلح لكل شيء ولكل زمان وفي نفس الوقت لا تفسّر شيئا. لقد قلّ السكر وشحّ في الأسواق لسبب مجهول، وكان من الطبيعي وفقا لآليات السوق أن يرتفع السعر. هنا تدخلت الحكومة برعونة بالغة وبقبضتها الأمنية لتكون النتيجة هي اختفاؤه تماما من الأسواق! ماذا فعلت الحكومة إذن لتحلّ المشكلة؟ إنهم يقبضون على كل شخص يحوز السكر!
انطلقت حملات أمنية تجوب محال البقالة والسوبر ماركت لتحرر محاضر لأصحابها وتصادر السكر إذا وجدتهم يبيعونه بأغلى من 5 جنيهات، رغم أنهم لا يبيعون سكر التموين وبالتالي فليس عليهم شيء! كما أن السكر ليس مسعرا جبريا كالأدوية حتى تكون هناك مخالفة قانونية. كانت النتيجة أن المحال أخفت السكر الذي لديها أو تخلصت منه بالبيع للمعارف وامتنعت عن عرض السكر أو شرائه من التجار منعا لوجع الدماغ والتورّط مع الحكومة وبالتالي أدّى هذا إلى تعميق الأزمة أكثر وأكثر.
ثم انطلقت الحكومة تقبض على كل من يحوز السكر في الشوارع! فقبضت على صبي قهوجي في مصر الجديدة لحيازته 10 كيلو من السكر! القبض على مواطنَيْن في البحيرة لحيازتهما كيلوجرامين من السكر! ثم عشرات من المحاضر المماثلة لأصحاب محال البقالة والمخازن وغيرها. كما قبضت الحكومة على العضو المنتدب لشركة النوبارية للسكر لبيعه عدة أطنان من إنتاج الشكركة من السكر لأحد رجال الأعمال، وتم القبض على رجل الأعمال أيضا! لا يمكنك أن تفهم أين التهمة هنا! شركة لإنتاج السكر باعت السكر لأحد رجال الأعمال ليقوم بتوزيع وبيع هذا السكر فتم القبض على الاثنين! بالطبع حين يتم كتابة المحضر يتم تدبيج كلام كبير على وزن قام بشراء السلعة بغرض احتكارها ومنعها عن الأسواق وأشياء من هذا القبيل، ثم يُمنَح كلّ واحد 15 يوما من الحبس إلى أن تتولى النيابة التحقيق.
ثم لم تنس الحكومة الشماعة التي تعلق عليها كل المصائب وهي شماعة الإخوان، فأمر النائب العام بضبط وإحضار مجموعة من عناصر الإخوان فيما سُمِّي بـ"خليّة السكر" التي تعقد اجتماعاتها على مقهى "السكريّة" في مدينة نصر!! هذا خبر حقيقي وليس خبرا كوميديا أو مفبركا، لكن ماذا نفعل ونحن صرنا نعيش في مدينة البط؟
إنه نفس أسلوب الحكومة في التعامل الأمني مع المشكلات، والذي يتكرر بحذافيره في كل مرة، بالرغم من أنه يؤدي دائما إلى نفس النتائج الكارثية!
هناك أزمة في سعر الدولار وفي توافره والأسباب معلومة وروشتة العلاج موجودة وموصوفة، لكن الحكومة تقوم بالقبض على أصحاب شركات الصرافة وتغلق العشرات منها بالشمع الأحمر، ويقوم البرلمان بإعداد قانون لغلق جميع شركات الصرافة لدواعي الأمن القومي. حسنا، لقد أغلقت الشركات وسعر الدولار لا يزال يتضاعف كل يوم.
منذ أشهر أصدر وزير الصحة قرارا برفع أسعار جميع الأدوية التي يقل سعرها عن 30 جنيها بنسبة 20% وبحد أدنى جنيهان. اعترض المرضى على القرار فاتهم الوزير الصيدليات بالتلاعب بالأسعار وانطلقت حملات تفتيش على الصيدليات مصحوبة بقوات من مباحث التموين، بالرغم من أن الوزير هو من أصدر قرار رفع الأسعار!
وتنظر الحكومة الآن إلى الأرز، حيث نقرأ يوميا أخبارا عن القبض على أشخاص لحيازتهم كميات من الأرز، ومنهم الفلاحين الذين يقومون بتخزين كميات من الأرز لأسرهم لتكفيهم طوال السنة حتى موسم الحصاد القادم، وهي عادة متبعة في الأرياف منذ عقود، لكن حتى هؤلاء يساقون إلى الأقسام وتحرّر لهم المحاضر. إذا استمر تعامل الحكومة مع الأرز بنفس أسلوبها المعهود هذا فسوف يختفي قريبا هو الآخر.
لدى الحكومة الآن كميات لا بأس بها من السكر المُصادَر، ترسلها في سيارات بيع إلى الشوارع مصحوبة بحماية قوات من الشرطة، لتبيعها للناس بسعر خمسة جنيهات للكيلو، وعليك أن تقف في الشارع في شمس الظهيرة تَدفع وتُزاحم مئات آخرين كي تحصل على كيس واحد تعود به إلى أسرتك. ثم عليك أيضا أن تكون ممتنا إذا حصلت على الكيس وتتوجه لهم بالشكر لأنهم جنّبوك مصير سوريا والعراق.
ربما لا يستطيع الكثير من الناس الاستغناء عن السكر، والطبقات تحت المتوسطة معروفة باستهلاك كميات كبيرة منه، خاصة في شرب الشاي الذي يضعون فيه عددا كبيرا من الملاعق ويشربونه عدة مرات في اليوم، ربما كمصدر للطاقة يعوض قليلا عن سوء التغذية المزمن، وربما ليستعينوا به على مرارة الحياة.
لكن السكر الآن صار مرا، والسؤال عنه صار شحاذة، والحصول عليه صار مهانة، فملعون كل من أوصلنا إلى هذا الحال.

 

التعليقات