«أفاتار» كمان وكمان!

«أفاتار» كمان وكمان!
شاهدت فيلم أفاتار فى إجازة العيد، بعد عرضه الأول بعامين على الأقل. لا أعرف على وجه التحديد لماذا أتحسس من مشاهدة الأفلام الأمريكية الضخمة وقت ظهورها وإمتلاء دور العرض بمشاهديها. احب أن أراها حين تصبح عادية لاتلفت انتباه أحد. ربما هو موقف نفسى من الضجة "الأمريكانى" حول كل أشيائهم وأفلامهم وشخصياتهم التى يصنعونها صنعاً. المهم أننى أخيراً رأيت الفيلم وكان عقلى يعمل على عدة مستويات وأنا أشاهده. المستوى الأول مستوى بسيط يشاهد ويتلقى ويحلل ويخمن على مستوى الفيلم نفسه. المستوى الثانى مستوى نقدى، يستدعى كل ما أعرفه بحكم الدراسة عن موضوعات وصور الخيال العلمى والفانتازيا وهما النمطان الأدبيان الذى يدخل الفيلم تحت عباءتهما معاً، والمستوى الأخير هو مستوى فلسفى دينى يرى بوضوح حاجة الانسان التى يعبر عنها الفيلم الى أصل يبدأ منه ويعود اليه ويلجأ له وقت الأزمه أو بمعنى ادق حاجته الى إله.
على المستوى الأول يصور الفيلم تحالف المادية الأمريكية فى صورة الشركة التى تسعى للحصول على الحجر الكريم على كوكب باندورا مع العسكرية الأمريكية التى تحميها وتنفذ مصالحها ضد السكان الأصليين لكوكب باندورا وهم جنس يشبه الانسان وإن إختلف فى بعض الملامح والقدرات الجسمانية والنفسية والعصبية وفى انسجامه المعقد مع الطبيعة الأم فى هذا الكوكب.  القصة استعمارية نمطية، الطمع والقوة المفرطة أمام الحق. تنتصر القوة فى البداية لكن على المدى البعيد ينتصر الحق ويسترد السكان الأصليين كوكبهم. لكن الخلطة السينيمائية الأمريكية لابد وأن تضع بصمتها فتجعل نجاح سكان الكوكب فى استعادة كوكبهم يعتمد على جندى البحرية الأمريكى جيك سولى الذى يتحول فى بداية الفيلم الى "أفاتار" أو الشخصية الافتراضية المشابهة لسكان الكوكب الأصليين والمرتبطة بشخصية سولى عن طريق وصلات عصبية خاصة. سولى هو البطل الذى يتغير بسبب قربه من سكان الكوكب الأصليين ومحبته لابنة زعيم القبيلة ويتحول موقفه الأخلاقى من جاسوس إلى مدافع أصيل عن الكوكب وأهله وحبيبته. إذن نجاح المستعمرة إعتمد شئنا أم أبينا على البطل الأمريكى الخارق والطيب!
على المستوى الأدبى النقدى لم يأت الفيلم بأى جديد، بل أزعم ان كاتبه هو لص ماهر، اقتبس من أفكار قصص خيال علمى وفانتازيا شهيرة وصنع منها عالم كوكب باندورا مكان أحداث الفيلم. فمثلاً فكرة أن الكوكب عبارة عن سلسلة من الغابات المتصلة ببعضها البعض مثل الوصلات العصبية فى عقل الانسان فكرة قديمة أضاف عليها الكاتب أن سكان الكوكب أيضاً يتصلون بالكوكب وكل مخلوقاته عن طريق ضفيرة تنتهى بمجموعة أعصاب تتصل بالأشجار وببعض الكائنات الأخرى. أما شكل سكان كوكب باندورا انفسهم فلا يختلف كثيراً عن أشكال الفضائيين المختلفة فى الخيال العلمى، بعض الاختلاف فقط فى لون الجسم الأزرق، شكل العين الزجاجية، وجود ذيل وضفيرة عصبية حية. يظل شكل النساء تقليديا بجسد أنعم من أجساد الرجال وثديين وعورة مغطاة بملابس تشبه ملابس الهنود الحمر أو الأفارقة. حتى أشكال الخيول تشبه كثيراً الخيول العادية وكثير من كائنات الغابة يشبه حيواناتنا الأرضية. كل هذا نمطى للغاية، ففى كل قصص الخيال العلمى المتراكمة بعضها فوق بعض تجد الكتاب عاجزين عن الخروج من الصفات الأرضية للكائنات الفضائية ولأشكال الكواكب الأخرى، مهما شطح خيالهم يظلون محبوسين فيما يعرفونه من أشكال الناس والحيوانات وجغرافيا الأرض وتاريخها. حتى حينما يشطح الكاتب ويجعل لكل واحد على هذا الكوكب طائراً ضخما يطير به يكون بهذا يقتبس من نمط آخر وهو الفانتازيا التى تتحدث عن التنانين الطائرة أو الأحصنة الطائرة وفرسانها. أو حين تصور لنا أن الجهاز العصبى لانسان يمكن توصيله بكائن آخر فيعيش حياته، هنا ندخل فى اطار الفانتازيا العلمية، أو الرومانسية العلمية أو شبه الخيال العلمى.
وحتى استعارة هذه الأفكار كلها عملاً مألوفاً فى أنماط الخيال العلمى والفانتازيا. فكل كاتب فى انماط الخيال العلمى والفانتازيا كان يضيف فكرة يوسع بها امكانات النمط الأدبى  ويعيد استخدامها وتعديلها وتغييرها.
أما المستوى الثالث الذى شاهدت به الفيلم فهو مستوى فلسفى دينى،ففكرة الإلهة آيرا التى يؤمن بها أهل كوكب باندورا وما تمنحهم إياه من توجيه ورعاية واستجابة للدعاء هى نفسها الاحتياج الملح وراء أنماط الخيال العلمى والفانتازيا—وهى انماط ادبية مابعد حداثية—لوجود قوة ما غير مادية فى هذا الكون، أو ببساطة الحاجة لوجود الله!
  ضعيف هو هذا الانسان، منحه الله الخيال، فشطح شطحات بعيدة فقط ليرى نفسه فى كل زاوية، وكأنه فى غرفة ضيقة جدرانها من المرايات، أينما توجه بنظره رأى نفسه فقط، علاقته بأى كائن مختلف هى علاقة خوف وعداء أو استغلال وطمع. لايعرف الانسان التعايش مع المختلف، الغريب او ببساطة " الآخر" رغم أن الكلمة باتت مختلفة. محاولات التعايش هى محاولات فردية ليست أصيلة فى النفس البشرية.
أنا أظن أن الكون الشاسع مليء بالكواكب المأهولة بكافة انواع الكائنات الذكية، وقناعتى لاتعتمد على أى تراكم معرفى بل تعتمد على يقين فى قدرة الخالق الأعظم على خلق ما لانعلم، قناعة تؤمن بأننا لانسوى شيء أكثر من كوننا حبة رمل على شاطيء الله الواسع أو كما قال المولى فى كتابه العزيز لاتسوى الدنيا "جناح بعوضة فما فوقها".
كل هذه الأفكار أتتنى لأن فيلم أفاتار، مع أى تحفظات ذكرتها، عمل ضخم، متميز وشجاع وبلا شك مٌلهِم.
التعليقات