في المدينة القديمة باستكهولم قابلت أحمد زويل (4)

في المدينة القديمة باستكهولم قابلت أحمد زويل (4)

 

حاولت بقدر الإمكان التعرف على كل مايتعلق بجائزة نوبل الشهيرة خلال زيارتي للعاصمة السويدية استكهولم، خاصة أن الرحلة قد تزامنت مع خبر وفاة العالم المصري أحمد زويل. وعرفت أن الجائزة التي تقدمها الأكاديمية السويدية لخمسة أفراد من النابغين كل عام، يتم تسليمها خلال مراسم خاصةفي مبنى مهم يسمى بالسيتي هول أو مبنى البلدية، كما أن مأدبة العشاء السنوية الشهيرة المصاحبة لمراسم تسليم الجائزة تتم هناك أيضاً، فقررت زيارة هذا المبنى الأثري.

والمبنى له وظيفة إدارية في المقام الأول، وبه موظفون، ولذلك فإن زيارته لاتتم سوى بصحبة مرشدة سياحية تصحب السائحين في جولة لمدة ساعة. حيث يختار كل سائح اللغة التي يريد أن يستمع إليها وتأتي المرشدة في الوقت المحدد بشارة صغيرة تبين اللغة التي ستتحدث بها، كما يتم توزيع شارات لاصقة صغيرة لكل سائح كي يلصقها في مكان ظاهر على ملابسه لتؤكد أنه قام بشراء تذكرة!

طبعا بنظام ولطف وبلا حساسيات، فالنظام نظام، وهناك أفكار بسيطة تفيد كل الأطراف ولاتضر، والأهم أنه يمكن تنفيذها بسهولة واحترام.

 

 

بداية الجولة المصحوبة بمرشدة سياحية
بداية الجولة المصحوبة بمرشدة سياحية

 

والغريب أننا كنا مجموعة كبيرة وبالرغم من ذلك فالكل صامت يستمع للمرشدة بانتباه، لم يتزاحم أحد، فثقافة الزحام و"الحق اخطف واجري" غير معروفة هنا! كما أننا نسمع المرشدة جيدا رغم أن صوتها هادئ ورغم أن عددنا كبير. فليس من المعتاد هنا أن يقوم أحدهم بعمل جلبة وضوضاء أثناء سيره أو "رغيه" مع زوجته وأولاده ولا عبر الهاتف بالطبع.. فلم يصادفني شخص يتحدث في الهاتف سوى بالهمس..حتى في المواصلات العامة.

ومبنى البلدية مكون من عدد من القاعات أشهرها "القاعة الزرقاء" وهي الأشهر على الإطلاق، والطريف أن القاعة الزرقاء ليست زرقاء ولاتحمل من اللون سوى اسمه، وأخبرتنا المرشدة أن المهندس الذي قام بتصميم المبنى وقاعاته كان متأثر بحضارات عديدة، وكان اطلاعه الواسع سببا في كونه يغير رأيه كثيرا.

 

 

الغرفة الزرقاء التي يقام بها مأدبة العشاء لجائزة نوبل
الغرفة الزرقاء التي يقام بها مأدبة العشاء لجائزة نوبل

 

ففي البداية كان يرغب في أن يوحي بأن القاعة الزرقاء مفتوحة لأنه كان يريد إعطاء الإحساس بإنها ساحة من ساحات روما ذات الطابع الإيطالي الشهيررغم أنها ليست كذلك بالطبع، لذلك فقد قرر أن يكون طلاءها باللون الأزرق، وكان ينوي عمل سقف زجاجي لها لتظهر السماء من خلاله، لكن عند التنفيذ وجد أن فكرة السقف الزجاجي غير عملية، وأن ترك القاعة بلا سقف لن يكون مناسبا لطقس ستكهولم البارد، ولذلك فقد فقام ببناء سقف، وبعد انتهاء بناء الحوائط بالطوب الأحمر وجد المصمم أن اللون الأحمر للطوب جميل للغاية لدرجة أنه يصعب عليه تغطيته بالطلاء الأزرق كما كان مخطط له، فأمر بتركه كما هو ولذلك فلم يكن للقاعة نصيب من الأزرق سوى اسمه!

 

الغرفة الزرقاء تمتلأ بالسائحين
الغرفة الزرقاء تمتلأ بالسائحين

 

والقاعة كانت خالية عندما دخلتها، لكنها تمتلأ بالطاولات وقت الاحتفال بتوزيع الجائزة، لأن المأدبة الخاصة بتسليم الجوائزتقام فيها، وتتسع القاعة وقتها لنحو 1200 فرد.

أما القاعة الثانية وهي القاعة البيضاوية فهي غرفة صغيرة تتسع فقط لنحو عشرة أفراد أو أكثر قليلاً، وهي أقرب لممر بين غرف المبنى، وهي تأخذ شكل بيضاوي وحوائطها مغطاه بسجاجيد فاخرة، والمميز في هذه الغرفة الصغيرة أنها مشهورة جداً بإقامة مراسم الزواج بها، وهي مفتوحة أمام الجميع بلا استثناء لحجزها بشرط واحد فقط غريب جداً..وهو أن المراسم يجب ألا تتجاوز الخمس دقائق فقط! والأغرب أن هناك اختيار آخر أقل في السعر ويتيح للزوجين إقامة المراسم في مدة أقصاها نصف دقيقة..والعهدة على الراوي!

 

 

الغرفة البيضاوية
الغرفة البيضاوية

 

وتأجير القاعة متاح للمنتمين لجميع الأديان وحتى للزواج بين المثليين بدون استثناء تطبيقاً لقاعدة المساواة بين الجميع. وتأجير القاعة من أجل مراسم الزفاف لا يتم سوى في يوم واحد إسبوعياً هو يوم السبت، من الثانية عشر ظهراُ وحتى السادسة مساءا، ولهذا عادة ما تزدحم الحديقة المواجهة لمبنى البلدية بالعرائس بملابسهن البيضاء في هذا اليوم ويكثر حولهن السائحون في طقس أسبوعي شهير. ووفقاً لما قالته المرشدة السياحية فإن حجز القاعة يتم قبلها بمدة طويلة قد تصل لستة شهور كاملة.

 

جانب من الغرفة البيضاوية
جانب من الغرفة البيضاوية

 

أما القاعة الأكثر إبهاراً وهي القاعة الذهبية، فهي قاعة كبيرة حوائطها كلها مغطاة برقائق الذهب التي تصل إلى 18 مليون شريحة صغيرة من الموزاييك، وهي شرائح رقيقة للغاية من الذهب مما يعطي إمكانية لتغطية مساحات كبيرة من الحوائط بكميات ليست كبيرة من الذهب الخام. وبعد تناول الفائزين بجائزة نوبل للعشاء في القاعة الزرقاء، عادة ما ينتقلون لهذه القاعة لحضور الحفل الراقص.

 

 

القاعة الذهبية حوائطها من رقائق الذهب الخالص
القاعة الذهبية حوائطها من رقائق الذهب الخالص

 

وفي صدر القاعة الذهبية هناك رسم كبير لامرأة تجلس في المنتصف وعلى يمينها ويسارها رموز لكل من الحضارات الشرقية والغربية، وبهذا تكون هذه السيدة هي قلب العالم من وجهة نظر مصمم هذه اللوحة الجدارية.. وهذه السيدة تمثل السويد بالطبع، أو استكهولم على وجه الخصوص!

 

 

الرسم الجداري في منتصف القاعة الذهبية
الرسم الجداري في منتصف القاعة الذهبية

 

فكرة مصر أم الدنيا ليست حكراً علينا، فكل أمة قد تتصور أنها كذلك، أو ربما الاعتقاد بذلك يعتبر ضرورة وطنية لرفع الروح المعنوية للشعوب. وبينما الأمر في مصر يصبح ساخراً عند ترديده، لأنه فيما عدا فكرة (السبعة آلاف عام)و(الموقع الجغرافي المركزي بين قارات العالم القديم)، التي تعلمتها في المدرسة، وأضفت إليها أنا لاحقاً (الريادة السينمائية والفنية وخفة الدم المصرية).. فيما عدا ذلك لا يوجد شيء في العصر الحالييعطي الأهمية لوطننا مع الأسف الشديد..بأمارة إيه؟!

بينما لو تكلمنا عن دولة مثل السويدوالتي ربما بالنسبة لنا هي دولة غير مؤثرة على الصعيد الدولي ولامميزة ثقافياً بالنسبة لنا كفرنسا أو المملكة المتحدة مثلاً، لكن بالنسبة لسكانها فهي تحقق لهم مستوى معيشة يعد من أعلى المستويات عالمياً وهو بيت القصيد، لذلك فهي ترى نفسها على أقل تقدير مركزاً للدول الإسكندنافية، وهي مجموعة الدول التي تقع في شمال أوروبا وتشمل أيضاً الدنمارك والنرويج وفنلندا.

وبعيداً عن هذا الجدال، وعودة للمبنى بقاعاته الجميلة، عرفت أمر غريب جداًوهو أن القاعة الذهبية– مثلها مثل القاعة الزرقاء – رغم أهميتهما الأثرية إلا أن الحكومة لاترفض تأجيرهما للهيئات الخاصة من أجل إقامة مناسبات وحفلات كبرى، لكن بشروط خاصة تحافظ على قيمة وسلامة المكان.. فالتفكير الرأسمالي لا يتعارض مع الهيبة والقيمة التاريخية طالما في إطار ضوابط منظمة.

أما القاعة الأروع من وجهة نظريهي قاعة مجلس المدينة، وهي التي تمثل الوظيفة الإدارية للمبنى بعيداً عن الاحتفالات، وهي قاعة يغلب عليها اللون الأحمر، ويبلغ ارتفاع حوائطها 19 متر، بينما تصميم السقف أشبه بسفينة مقلوبة، إشارة إلى عصر الفايكينج، حيث كانت تقام الاجتماعات الهامة خلال الحرب أسفل سفينة حقيقية كبيرة مقلوبة وفقاً لما قالته المرشدة السياحية. والقاعة يقام بها اجتماع أعضاء مجلس المدينة في الاثنين الثالث من كل شهر، بينما هناك 200 مقعد خالي أعلى القاعة متاحة للجماهير من أجل حضور ومراقبة الاجتماعات..فالشفافية أولوية لديهم هنا!

 

 

قاعة المجلس ومقاعد الجماهير تظهر أعلى الصورة
قاعة المجلس ومقاعد الجماهير تظهر أعلى الصورة

سقف قاعة المجلس على هيئة سفينة مقلوبة
سقف قاعة المجلس على هيئة سفينة مقلوبة

 

وما لاحظته بشكل شخصي أن العديد من أسماء أعضاء مجلس المدينة والمدونة على المقاعد هي أسماء شرق أوسطية، ومن الواضح أن عملية اكتساب الجنسية لغير السكان الأصليين هي عملية معتادة هنا، بل وتتيح للحاصلين عليها حقوق كاملة كمواطنين تمكنهم من الالتحاق بمناصب قيادية في المجتمع السويدي.

 

 

عرائس سويدية تقليدية بمحل الهدايا الملحق بالمبنى
عرائس سويدية تقليدية بمحل الهدايا الملحق بالمبنى

 

والجميل في قاعات المجلس بشكل عام هو أن لكل تفصيلة صغيرة ولكل اختيار فني في الحوائط أو الأعمدة معنى معين ورمز أو هدف من ورائه، تحرص المرشدة السياحية على شرحه، وهي تفعل ذلك بطريقة مشوقة للغاية عن طريق إلقاء الأسئلة علينا كسائحين، والمعلومات التي تقدمها عن التفاصيل الفنية لتصميم القاعات تشعرك بذكاء الفنان الذي قام بالتصميم، عن حق وليس عن مبالغة منها أو إدعاء للعظمة أوالتفرد.. وللحديث دائماً بقية بإذن الله..

التعليقات