موز مسلوق وخيار مقلي!

موز مسلوق وخيار مقلي!

أكلت ذرة مسلوقة في الأردن من بائع يجلس على الرصيف. لا نعرف في مصر الذرة المسلوقة إلا التي تأتي مفصّصة ومحفوظة في المعلبات ويكتبون عليها ذرة حلوة. في مصر نأكل الذرة مشوية من الباعة الجائلين ولكنهم في الأردن يأكلونها مسلوقة! وما ألذها حين تكون مسلوقة!
في أوغندا أكلت موزة مسلوقة قدمت لي على سبيل الضيافة، وما أبشعها من موزة! لكني ازدردتها حتى النهاية لأني خجلت من أن أقضم جزءا منها وأترك الباقي فيعبر هذا عن تبرّمي من طعمها. انتظرت حتى رجعت إلى مصر حتى أبدي اشمئزازي!
في أثيوبيا أكلت خيارا وجزرا مقليّين في الزيت! الطعم؟ حسنا، ليس جيدا لكنه مُحتَمَل. في أثيوبيا عموما هناك أزمة كبيرة ومتفاقمة في توافر الطعام بسبب مسألة الجفاف. هناك ملايين يعانون من سوء التغذية، وخطر المجاعة يخيّم على البلاد.
إنه طعام الفقراء. تأخذ خيارا فتقطعه إلى شرائح وتقليه. إذا كان لديك قطعة لحم فاسلقها وضع عليها أطنانا من الصلصة والخضر وأخرج منها كل ما تستطيعه من مَرَق. معظم الوقت هناك مَرَق وأنواع من الصلصة يتم تغميسها بخبز محلي يسمى إنجيرا يُصنع من دقيق حبوب نبات محلي رخيص يمسى التّف. ضع الخبز في الصلصة وحاول أن تملأ بطنك.
في جنوب السودان أكلت داكوا، وهي وجبة سودانية مشهورة تتكون من فول سوداني مطحون بالطماطم، مع ليمون وشطة وملح وفلفل وزيت، ويتم تغميسه بالخبز. في السودان عموما يأكل الناس جميعا من طبق واحد كبير (عادة ما يكون معدنيا)، سواء كأسرة في المنزل أو كزملاء في العمل. نفس الطبق يأكل منه الوزير والغفير معا، وهم يرون أننا – نحن المصريين – متكبرون في هذه المسألة، عندما نفصل دائما بين طعام الوزير وطعام الغفير، ونجعل كل منهما يأكل من طبق، بل وفي مكان مختلف عن الآخر.
في جميع أنحاء السودان عموما يعشقون مشروب تانج بالبرتقال، ولا يكاد يخلو منه بيت، وهو يباع هناك في عبوات ذات أحجام هائلة تقترب من حجم الجردل! إذا دخلت بيتا سودانيا وأرادوا إكرام وفادتك صنعوا لك كوبا باردا من التانج.
أما أفضل ما يمكن أن تأكله هناك فهو الموز. الموز هناك ثلاثي الأضلاع وضخم الجثة وذو طعم مميز جدا. إن موزة أو موزتان يمكن أن تكفيا للعشاء!

في التشيك أكلت كل أنواع النقانق (سجق/ هوت دوج/ سوسيس/ إلخ)، وقد بدا لي أنهم لا يأكلون شيئا سوى النقانق ومشتقاتها. في الصباح يقدم الفندق النقانق على الإفطار. كل يوم! في كل المطاعم تحوز النقانق قصب السبق في "المنيو"، وتقدَّم منها أنواعٌ عديدة، ولأنني لا أعرف الفرق بين أي منها فكنت أختار أي نوع وأرضى بحظي.
أما إذا فاتتك جرعتك من النقانق، فستجد أن الشوارع تمتليء بعربات تبيع ساندويتشات النقانق (مثل عربات الفول لدينا في مصر)، وبأرخص الأسعار.

في كل مرة سافرت فيها كنت أركب طائرات مصر للطيران. ليس لحسّي الوطني العالي ولكن لأنها عادة ما تكون الأرخص! كلما أتى وقت الطعام كانت المضيفة المتجهمة تخيّرني ما بين وجبتين لا ثالث لهما: Chicken or meat?. إنه سؤال خالد يعرفه كل من استخدم طائرات هذه الشركة! في كل مرة كنت أختار اللحم لاعتبارات تتعلق بصعوبة أكل الدجاج دون تعريض الأيدي للاتساخ. عندما تأكل دجاجا فإنك حتما ستضطر لاستخدام يديك لتخليصه من العظم، أما عند أكل اللحم تكفي الشوكة أو الملعقة لإنهاء الأمر بأقل قدر من الخسائر، وفي كل الأحوال دائما ما تكون هذه الوجبة عديمة الطعم واللون والرائحة.

مرة واحدة سافرت على الخطوط النمساوية. المضيفات بزيهن الأحمر القاني دائمات الابتسام. الابتسامة لا تفارق وجه الواحدة منهن حتى لتظن أن الابتسامة قد تحجرت أو أن الواحدة منهن ترتدي قناعا. في وقت تقديم الطعام فوجئت بأنه لا اختيارات! هي وجبة واحدة لجميع الركاب. فتحت الغلاف، وكان إحباطي عظيما عندما وجدت أنه طبق صغير من المعكرونة مع ثلاث قطع بالعدد من الجمبري! لكن كانت هذه ألذ معكرونة أكلتها في حياتي! أفضل من كل دجاج ولحوم مصر للطيران بشركاتها الجوية وخدماتها الأرضية!

بالنسبة للمطاعم، لا يمكن مقارنة الحال إطلاقا بالوضع في مصر. حتى على مستوى الدول الأفريقية الفقيرة التي تمتلك اقتصاديات أسوأ من اقتصادنا المتهاوي بعشرات المرات، يمكنك أن تدخل إلى المطعم وتتناول أفضل وألذ الأطباق وتدفع أقل من نصف ما يمكن أن تدفعه في أطباق مماثلة في القاهرة. لدينا هنا أسعار أغلى بكثير مقابل جودة أقل بكثير.

لا تقتصر تجربة السفر على حاسة الرؤية فقط، فلكل الحواس نصيب من المفردات الجديدة التي ستلقي نفسها في طريقك. لحاسة التذوق نصيب أيضا، بشرط ألا تركن إلى ما تعرفه وتختر ما ألفته، بل اختر دائما الشيء الجديد والغريب.
غامر وسافر. جرّب وانظر واسمع وتذوّق.

التعليقات