عن البوركينى والصليب!

عن البوركينى والصليب!

رفض لباس البحر الشرعى على شاطيء نيس هو معيار أخلاقى مزدوج آخر مما تمتليء به جعبة الانسانية كلها وليس الفرنسيون وحدهم. فلم التحمس هكذا لمسألة إجبار سيدة مسلمة على كشف لباسها المسمى  "البوركينى" أمام المصطافين ودفعها للعودة الى المنزل؟ ألا توجد مشاكل اكثر إلحاحاً؟ مشكلة التحرش مثلاً وما تواجهه المرأة الغير محجبة من إهانات وحركات وتعبيرات كلها تتضمن انها إمراة مستباحة وسهلة المنال؟ ومنها مثلاً مشكلة قانون الكنائس الذى رفضته الكنيسة المصرية والذى يحدد بناء الكنيسة بلا رمزها التقليدى من صليب. أسئلة سٌئلتها من أصدقائى على موقع التواص الاجتماعى الفييبوك.
تنبع الحوادث الثلاثة كلها من أصل واحد هو قمع حرية طرف من الأطراف والحكم عليه، إما ان يتشبه بالجماعة وإما أن يتعرض للإضطهاد. إما أن تلتزم السيدة المحجبة على شاطيء نيس بما هو مريح للعين والفكر من لباس البحر أوتكون موضعاً للشكوك والرفض، وإما أن تلتزم المرأة السافرة فى مجتمع يتعامل مع الحجاب على أنه رمز للشرف  وتتغطى أو تٌضطهد، وإما أن يختفى رمز الاختلاف الدينى (الصليب) أو تتعرض الكنائس للعنف مثلا. الفكرة واحدة فى الحالات الثلاث، رفض الاختلاف عن طريق رفض رمزه الأساسى: الحجاب، او الشعر المكشوف أو الصليب.
ويبدو أن الأمر هو مرض إنسانى منذ بدء التاريخ، مثل الحساسية التى تأتى فى صور مختلفة وتهاجم من أماكن عدة فى الجسم ومثل الحساسية لا نأمل فى شفائه بل فقط نأمل فى السيطرة عليه، تقليل عدد النوبات والآثار المزعجة. فالأدوار يتم تبادلها طوال الوقت فى تاريخنا الانسانى على مستوى الاختلاف الدينى، فتاريخ الغرب المسيحى به من أحداث إضطهاد المسلمين وانتهاكهم تماماً مثلما يمتليء التاريخ الإسلامى بصور إضطهاد المسيحين وإنتهاكهم، بينما يظل الظلم للمرأة والفقير فى كل الثقافات.
ومثلما ربط التاريخ دائماً بين حركات التحررالنسائى وكل حركات الظلم والاضطهاد الدينى والعرقى ترتبط الاحداث الثلاثة دون أن نفهم فى تقييم الناس على مواقع التواصل الاجتماعى حول ما يجب أن نتضامن معه وما لايجب أن نتضامن معه، وهذا لأن مواقع التواصل الاجتماعى أصبحت ساحة نملؤها حين يصعب علينا ملء الساحات الحقيقية إما لأن الساحات الحقيقية غير محددة ومبهمة وإما لأنها باتت خطرة تهدد حريتنا  نفسها فى ظل أنظمة لاتتردد فى حبس من يعلن رفضه لما تقوله، ولهذا نختلف ونعلن ونشجب ونتضامن ونؤيد كما نحب على الفيسبوك، ولتأثير هذه المواقع المتزايد أصبحت هى الأخرى قوة لايستهان بها فى تشكيل الرأى العام وباتت عرضة هى الأخرى للاستخدام والخداع والنصب والتوجيه.
ماذا يعنى  كل هذا الكلام؟
ربما اللافت للنظر فى حادث نيس انه يحدث فى بلد متقدم، ترفع شعارات الحرية الشخصية والمساواة والإخاء، بينما يحدث الاضطهاد المجتمعى للمراة الغير محجبة أو للأقباط فى ثقافة هى من الأساس قائمة على قمع كل ماهو ضعيف أو ما تظنه ضعيفاً ( المرأة، المعاق، الطفل، القبطى...الخ). لهذا نجد صيحات الاستنكار أعلى والمفاجاة أصعب  فى حالة نيس بينما فى حقيقة الأمر لو فكرنا قليلاً قد نلتمس العذر لبلدة شهدت منذ شهرواحد حادثاً إرهابياً عنيفاً يجعلهم الآن ينفخون فى الزبادى واللبن الرايب وليس فى الحساء فقط.
القضايا الثلاث منبعها واحد، والأدوار تتغير على مدار التاريخ الانسانى كله، أوروبا التى كانت إضطهدت المسلمين فى غرناطة وقتلتهم أونصّرتهم هى نفسها التى كانت تحرق النساء على اعتبار أنهن ساحرات فى العصور الوسطى، هى نفسها اوروبا التى  رفعت شعارات الحرية والمساواة والاخاء فى بلادها وهى تتوسع شرقاً وغرباً فى مستعمرات تمتص دماء أهلها أوتبيدهم من اجل إنعاش إقتصادها وملء خزائنها ولا تزال تفعل هذا فى عصر الاستعمارية الجديدة، والعرب المضطهدين هم أنفسهم من يتحكمون فى المرأة فى ملبسها وكلامها ووجودها وهم من استعمروا العالم  فى فترة باسم الفتوحات وهم من يضطهدون الأقباط  ويعيش بعضهم فى المجتمعات الأوروبية وبداخل بعض منهم كراهية تدفعهم لمهاجمة تلك المجتمعات.
دائماً هناك دوائرتاريخية من الظلم، من الجلاد والضحية، تختلف الأدوار وتتغير ولا تتوقف الدوائر االتاريخية عن الدوران وربما ستظل تدوروتعيد نفسها فى صورمختلفة مثل جين الحساسية تماماً، ولايسعنا سوى أن نظل نقاومها فى كل الساحات ، حقيقية أو إفتراضية، علناً أو سراً فى قلوبنا حتى تنحسر فلا تقضى علينا.
أرفض إضطهاد رموز الدين أو الحرية فى قلبى وعلانية.

التعليقات