هنا تسلم زويل ميداليته الذهبية!

هنا تسلم زويل ميداليته الذهبية!

في زيارة قصيرة للعاصمة السويدية ستكهولم حاولت التعرف بقدر الإمكان على أهم معالم المدينة، مالفت نظري أولا في هذه العاصمة الجميلة هو أنها مكتظة بالسائحين، فعلى عكس ما اعتقدت لم تكن هي المدينة الهادئة التي تخلو شوارعها بعد غروب الشمس..على الأقل في الصيف.

ففي الشتاء يعاني سكان السويد من طول ساعات الليل، فلا تظهر الشمس إلا ساعات معدودة لدرجة تجعل حلول الصيف لديهم فرح حقيقي يدعو للاحتفاء، وكما أن ليل الشتاء طويل في السويد، فأيضا نهار الصيف طويل، وهو الأمر الذي أعجبني للغاية، فمن الجميل عند مكوثك في مكان لا تعرفه لمدة أيام قليلة أن تستمتع "بنور ربنا" حتى الساعة العاشرة مساءا، فيتوازن بذلك خوفك المعتاد بحكم الغربة مع "ونسك" بفضل وجود الشمس حتى لو ظللها السحاب والأمطار أيضاً وهي كثيرة هناك.

وفي مثل هذه المواقف يخاطبني شيطاني قائلا "مش مصر أولى بالسيّاح دول؟".. ثلث آثار العالم ونهر وبحرين ولايوجد واحد في المائة من حجم هؤلاء السياح..بينما هذه المدينة لاتفرق شيء عن مدننا..كلهم خلقة ربنا.. لكن سبحان الله فيمن يحول الفسيخ لشربات ومن يحول الشربات لكوم.. قش.. نمشيها قش !

ولا أعتقد أن أي إنسان يختار جهة سفره يبحث عن تمثال أو مبنى أثري أو معبد ليشاهده بدون أن يبحث عن سياق كامل يشجعه على المجيئ.. مواصلات جيدة، شوارع بها اختراع غريب اسمه رصيف، أمان، وياحبذا لو توجد ثقافة عامة  تجرم "البحلقة" في الآخر حتى لو كان بقرنين، وطبعاً بعض الجمال الرباني المتمثل في الطبيعة، والجمال الإنساني المتمثل في الفن والنظام والتناسق.. الحقيقة أن الكلام نفسه متعب لدرجة تخنقني..أين نحن من كل هذا؟!

عودة إلى المدينة الجميلة استكهولم التي ظلمتها بحديثي هذا وحملتها ما لاتحتمل.. من أشهر ما كان يرد في ذهني عندما أسمع اسمها هو "جائزة نوبل"، وبالفعل فإن العقل التجاري الذي لايخلو من إبداع والذي يتحكم في معظم شئون الدول الكبرى التي تتمتع بالرفاهية المادية والفكرية يستغل أي فكرة مهما كانت صغيرة لصنع نسق متكامل منها..فمابالك لو كانت فكرة مهمة وكبيرة مثل تلك الجائزة والأحداث المتصلة بها.

فأولاً هناك متحف كامل مخصص للجائزة ويغطي تاريخها وسبب وجودها، وأيضاً الفائزين بها، وقد غطيته بشكل موجز في المقالين السابقين، وثانياً عدة أشياء متفرقة منها مبنى البلدية، وهو في الأصل مبنى إداري وحكومي يعمل به فريق من الموظفين، ومع ذلك، وإمعاناً في فكرة توظيف كل التفاصيل لخدمة ترسيخ الدور الفكري والثقافي للوطن أولا، وترسيخ مبدأ المكسب المادي من جهة أخرى، فالمكان مفتوح للزيارة طوال العام بشرط عدم تجول السائحين بدون مرشدة أو مرشد تابعين للمكان، وطبعاً مبدأ الربح المادي لايعني "النصب" على السائحين، فمقابل مايدفع السائح يصل بالضرورة لهذه الأماكن ليجعلها مناسبة للزيارة، نظيفة، لها حمامات آدمية! ولها قواعد مشددة أيضاً تضمن عدم الإخلال بالنظام أو التسبب في أي أذى للمكان أو العاملين به من أي نوع. يمكن أن نسميه مبدأ لا ضرر ولا ضرار.. لكن بالفعل وليس بمجرد الكلام المرسل!

 

 

مبنى البلدية من الخارج
مبنى البلدية من الخارج

 

ومن المحزن أن أشياء بسيطة مثل النظافة والنظام والقواعد تصبح بهذا الإبهار لدرجة أن بشر مثلنا "تسافر لها بلاد" كي تتأكد أنها موجودة وليست مجرد أساطير نسمعها عن أوروبا ودولها المتقدمة، وطبعاً الأهم هو مساحة الحرية المتاحة والتي تعني التحرك براحة يخلقها انتفاء مبدأ الفضول وحب التدخل في حياة الآخر والإيمان فعلاً بالمبادئ الإنسانية.

القصد.. أن جمال الطبيعة مقدور عليه وموزع من الله بالتساوي على أنحاء المعمورة(لا تخبرني أننا دولة صحراوية، فدبي أكثر صحراوية لكن زيارتها أصبحت حلم للبعض)،بالتالي نتفق أن الجمال موزع على الأرض مع اختلاف أنماطه بالطبع، بينما السياق الذي يصنعه الإنسان هو القيمة الحقيقية التي تعكس رحلة حضارته وأنه مخلوق مختلف عن باقي المخلوقات، على الأقل في كيفية تلقيه معطيات الطبيعة والتفاعل معها للخروج بشيئ أجمل وأنفع.

ربما أخذتني الحماسة بعيدا عن غرض المقال الأصلي وأعتذر عن ذلك وحجتي أن الإنسان ضعيف خاصة أمام البديهيات المحروم منهاوالتي يظل متعلق بها من باب الرجاء، والمهم الآن أنني أرجع للحديث عن مبنى البلدية الذي يقام فيه الحفل السنوي لتوزيع الجائزة ومأدبة العشاء.

 المبنى قد تقرر تشييده عام 1907، وقد رأى أعضاء مجلس المدينة أنه من المهم إيجاد مبنى جديد لمقر البلدية يتم إنشائه في نفس موقع المبنى السابق، وبعد تنظيم مسابقة بين أكثر من مصمم ومهندس إنشائي وبعد جهود استمرت عدة سنوات، تم الانتهاء من المبنى في عام 1923.

يقع المبنى على بعد عشر دقائق سيراً على الأقدام من القصر الملكي ومن متحف نوبل أيضاً، ومن الجميل أن تقوم بزيارة متحف نوبل في نفس يوم زيارتك لمبنى البلدية، وهذا ما فعلته بالصدفة، لتكتمل قصة "نوبل" في مخيلتي بشكل كبير..

 

مدخل مبنى البلدية أو السيتي هول
مدخل مبنى البلدية أو السيتي هول

 

ومنالرائع عموما أن تتواجد أماكن جذب السائحين على هذا القرب الجغرافي، ولا أعلم إن كان هذا مقصود أم لا، لكنني أظن أنه كذلك، فحتى في بدايات القرن الماضي وقبل اكتشاف الطيران وانتشار فكرة السفر بغرض السياحة، كان من المهم دوماً  للحكومات أن تصنع صورة فخمة تعطي بصمة مميزة تنقل شعور الهيبة لزوارها، وكان يستدعي ذلك بالضرورة بناء قصور وتماثيل أثرية تخلد تاريخ البلد وعظمتها وتبهر القادم إليها في السلم والحرب.

 وعودة للقرن الحالي، ورغم أن أسعار سيارات الأجرة في السويد مرتفعة، فسيارة تاكسي قد تكلفك نحو 100 كورونا في مشوار لا يتعدى العشر دقائق، وهو مايعادل مائة جنيه مصري تقريبا، علما بأن مستوى الدخل للفرد هناك أعلى بمراحل من الدخل هنا.

 إلا أن السائح لايحتاج لإيقاف سيارة أجرة هناك لقرب الأماكن السياحية كما ذكرت (فكل شيئ مدروس!)، أما لو رغب في الذهاب لأماكن أبعد فهناك المواصلات العامة التي تتسم بالسرعة والنظافة.

 

الساحة الداخلية لمبنى البلدية
الساحة الداخلية لمبنى البلدية

 

من داخل ساحة المبنى ويظهر البرج في الخلفية
من داخل ساحة المبنى ويظهر البرج في الخلفية

 

 

 

ومبنى بلدية ستكهولم يضم عدد من القاعات بالإضافة إلى الساحة الخارجية المفتوحة التي يدخل السائحين منها، ويطل المبنى على نهر يصعب علي نطق اسمه، واعذرني أيها القارئ العزيز فأنا لا أجد جدوى في الحقيقة من نقل اسمه من موقع ويكيبيديا لمجرد ذكره هنا!

 وستكهولم مدينة ساحلية، وأينما ذهبت وجدت أحد المسطحات المائية سواء نهر أو ميناء مما يعطيها طابعا خلابا ربما يقربها من مدينة اسطنبول في الشكل، لكن بطابع غربي أكثر، خاصة في المباني الأثرية أوروبية الطراز. كما أن المدينة القديمة جاملا ستان تشبه أيضاً شارع الاستقلال في اسطنبول من حيث الضيق واكتظاظها بمحلات الهدايا والمطاعم الضيقة الدافئة.

وبعدما يستمتع الزائر بمنظر النهر الخلاب والحديقة المواجهة له، وأيضاً بساحة المدخل الكبيرة المؤدية مبنى البلدية، يأتي وقت قطع التذاكر، وقد أخبرتني موظفة الاستقبال أن هناك تذكرة موحدة تشمل جولة بصحبة المرشدة السياحية، فغير مقبول تجول الزائرين وحدهم في المبنى بسبب وجود مكاتب موظفين به، ولذلك فعلى الأشخاص انتظار الجولة التالية دوما.

 

 

النهر المواجه للمبنى وتظهر الحديقة أيضاً في الصورة
النهر المواجه للمبنى وتظهر الحديقة أيضاً في الصورة

 

وهناك جولات إرشادية بالانجليزية وبلغات أخرى كذلك، ويتم تنظيم كل شيئ بشكل هادئ وانسيابي لا يسمح بحدوث فوضى ولا جلبة.. ورغم أن عدد الزوار كبير وبرغم صغر حجم المرشدة ورقة صوتها إلا أن كل شيئ تحت السيطرة! فهي تشرح بهدوء وتضع قواعد مثل عدم استخدام "فلاش الكاميرا" مثلا، وتتحرك بنظام والكل خلفها صامت حتى يأتي وقت الأسئلة. من قال أن الإنسان فوضوي بطبعه؟! مقولة غير دقيقة على الإطلاق على الأقل في هذه البقعة من الكوكب.

 

 

المبنى من الناحية المواجهة للنهر، ويظهر هنا البرج الذي في أعلاه هلال ذهبي، ويسمى برج القمر.
المبنى من الناحية المواجهة للنهر، ويظهر هنا البرج الذي في أعلاه هلال ذهبي، ويسمى برج القمر.

 

أما التذكرة الإضافية التي لم أقطعها أنا ليس بخلا بالمال لكن حرصاً على الصحة، فهي تذكرة صعود البرج الخاص بالمبنى، والمكون – وياللعجب - من  365 درجة ولا أظن أنها صدفة، ففي الحقيقة رغبت بصعوده لكن أشفقت على ساقاي وعمودي الفقري بعد يوم طويل مليئ بالمشي على الأقدام.. فأقنعت نفسي أن محدش بياخد كل حاجة، ويكفي أنني سأرى القاعة الزرقاء التي تقام بها مأدبة الطعام السنوية لتوزيع جوائز نوبل ربما نالني من رائحة الأطباق الشهية جانب..وللحديث بقية.

التعليقات