أعظم تواليت في التاريخ!

أعظم تواليت في التاريخ!

 

قضيت ليلة كاملة في مطار فيينا رائحا وغاديا من الحمام، فقد كنت مصابا بالإسهال، الأمر الذي كان كفيلا بإفساد الرحلة تماما. لكنني لم أكن متضايقا مع ذلك، فحمامات مطار فيينا مما يسعد ويشرِّف المرء استعماله. لا يمكن وصف الحمام من فرط جماله وفخامته ونظافته!

 

مدخل حمام مطار فيينا
مدخل حمام مطار فيينا

 

لكن قبل أن نبدأ في التحسر على حالنا وحال حمامتنا، فالحال ليس دائما هكذا في كل الدول الأوروبية. في التشيك مثلا كان الكثير من الحمامات العامة يعبق برائحة الصنان، والعجيب في مسألة الحمامات في التشيك أنها جميعا بمقابل مادي (يتراوح بين 5 و10 كورونا). حتى المطاعم في التشيك لا تسمح لك باستخدام الحمام مجانا، وفي ماكدونالدز مثلا يجب أن تدفع 10 كورونا لدى الكاشير ليعطيك "ريسيت" بالمبلغ تأخذه وتبرزه تبرزه للرجل الذي يقف على الحمام ليدعك تدخل. أما معظم الحمامات العامة في التشيك فقديمة جدا وتعود إلى الحقبة الشيوعية.

 

أحد الحمامات العامة فى التشيك
أحد الحمامات العامة فى التشيك

 

لكن في كل الأحوال، وفي كل بلاد العالم لن تجد ذلك الرجل الذي يقف إلى جوارك في الحمام ليقطع لك قطعة من ورق التواليت. هذه مهنة مصرية خالصة وصاحبها لديه قناعة عميقة أن المصريين لا يمتلكون العضلات ولا القدرة التي تمكنهم من قطع ورق التواليت، لذا فهو يقوم لهم بهذه المهمة مقابل أجر (وهو يشبه أيضا ذلك الرجل الذي يقف في جراجات المولات ليضغط لك على زر الماكينة التي تخرج العملة، أو عامل الأسانسير الذي يسألك عن الدور الذي أنت متوجه إليه ثم يضغط لك على الزر).

في أوغندا رآني هذا الشاب مفتول العضلات أحمل كاميرا فطلب مني أن أصوره وهو يقوم بحفر هذه البيارة، وقد كلفتني هذه الصورة ابتلاع الكثير من التربة البركانية الحمراء.

 

معظم البلدان الأفريقية (مثلها في ذلك مثل معظم قرى الصعيد) لا يوجد بها صرف صحي، وبالتالي يضطر الناس لحفر هذه البيارات العميقة ليتم فيها "تخزين" الفضلات، إلى أن يحدث أن تمتليء في لحظة ما فيضطرون إلى استدعاء سيارات خاصة لتفريغها من محتوياتها. بعد اكتمال الحفر يصبح الشكل كالتالي:

 

مجرد ثقب في الأرض يطل على هذه الحفرة الهائلة، كأنها بوابة لجهنم تتصاعد منها رائحة مميتة، مع مجتمع حَشَري كامل بالأسفل.

فيما بعد رأيت مرحاضا شبيها جدا بهذا الشكل في قصر الأمير طاز بالدرب الأحمر، والذي يعود تاريخ إنشائه إلى القرن الرابع عشر الميلادي. مجرد مصطبتان لسند الرجلين مع حفرة عميقة. أتعجب لِمَ لَمْ يقم أحد بحفريات في محتويات هذا المرحاض الأثري، فالفضلات المتحجرة المدفونة بالأسفل لا شك وأنها سترشدنا إلى كثير من المعلومات عن العادات الغذائية لأهل ذلك العصر.

 

حمام قصر الامير طاز بالدرب الأحمر
حمام قصر الامير طاز بالدرب الأحمر

 

أما أجمل وأعظم حمام رأيته في حياتي، والذي لا أتصور أن يضاهيه أي حمام آخر، فهو حمام قصر الأميرة فاطمة حيدر بالإسكندرية، والذي يشغله حاليا متحف المجوهرات الملكية في حي زيزنيا. الحمام طبعا ليس للاستعمال ولكنه للفرجة. نوافذ عليها لوحات من الزجاج الملون ورسوم تحكي قصصا على السيراميك، وقبة هائلة تدخل منها الشمس إلى الحمام عبر لوحة أخرى من الزجاج الملون، إضافة إلى أدوات صحية عجيبة تحتاج إلى كتالوج لشرح طريقة الاستعمال! للحمام أبواب عديدة مما يشي بعدم الاهتمام بمسألة الخصوصية.

 

حمام قصر الاميرة فاطمة حيدر .تصوير : رحاب رجائى
حمام قصر الاميرة فاطمة حيدر .تصوير : رحاب رجائى

لكن هذه طبعا حمامات لعلية القوم، وحتى في الأيام القديمة لم يكن أحد يمتلك مرحاضا في منزله إلا من كان في منزلة وغنى شخص مثل الأمير طاز. حتى الحمامات العامة الموزعة في المدن الكبرى فكانت – في معظمها - للاستحمام فقط.

 

بقايا الحمامات الرومانية بالإسكندرية
بقايا الحمامات الرومانية بالإسكندرية

 

 

حمام إينال بشارع المعز
حمام إينال بشارع المعز

 

أما عامة الناس فكانوا يفعلونها في الشارع، وفي القاهرة كان هناك شارع اسمه شارع المَشَخَّة لأن الناس كانوا يقضون حاجتهم فيه، قبل أن تغير إحدى اللجان اسمه إلى شارع الجودرية، وهو يقع بالقرب من مسجد المؤيد شيخ.

وفي قصص ألف ليلة وليلة كثيرا ما نقرأ أن بطل القصة ذهب "لقضاء ضرورة" أي لقضاء حاجته، فيتجه إلى مكان مظلم أو شارع خلفي أو ما شابه، وهناك تقابله الجنية أو يظهر له العفريت ويتجه منحنى القصة إلى اتجاه آخر، فهناك دائما ارتباط وثيق لدى العرب بين أماكن قضاء الحاجة والجن والعفاريت، لهذا هناك أدعية يلصقها الناس الآن على أبواب الحمامات، ويمكنك أن تجد أسئلة على مواقع الفتاوى تسأل إذا كان إغلاق باب الحمام يؤدي إلى منع دخول الجن إلى سائر أنحاء المنزل، ولهذا أيضا يُنصح دائما بدخول الحمام بالرجل اليسرى وعدم الحديث في الحمام إلا للضرورة وعدم الكشف من العورة إلا قدر الحاجة، وغيرها من النصائح المماثلة.

لطالما كانت مسألة قضاء الحاجة مشكلة في العصور القديمة. عرفت لندن أول تواليت عام لقضاء الحاجة عام 1100 في عصر الملكة ماتيلدا، وكان الرومان قد حازوا قصب السبق في مسألة المراحيض العامة. بداية كانت روما تضع في أماكن معينة من الشوارع قدورا ضخمة للتبول. هذه القدور كان يتم إفراغها واستخدام البول المجمّع في دعك الملابس لتبييضها! ثم هناك أيضا المراحيض العامة وهي عبارة عن غرفة واسعة بها لوح حجري طويل به ثقوب على مسافات متساوية، ويتم الجلوس فوق الثقب لقضاء الحاجة. لا توجد خصوصية هنا، كما أن هذه الحمامات كانت مشتركة ما بين ارجال والنساء والأطفال على السواء. أسفل هذه الثقوب يوجد مجرى مائي أخذ الفضلات بعيدا.

 

 

مرحاض جماعي يعود إلى عصر الرومان. الصورة من مدونة ancient peoples.
مرحاض جماعي يعود إلى عصر الرومان. الصورة من مدونة ancient peoples.

 

إلا أن هذه المراحيض ظلت على مدى التاريخ شيئا شديد الندرة، وقد اندثرت تقريبا في العصور الوسطى، وكان على العالم الانتظار حتى منتصف القرن التاسع عشر حتى تبدأ المراحيض العامة بالانتشار في المدن الكبرى: في باريس أولا ثم في برلين (1820) ثم في لندن (1851). أما المرحاض المنزلي فقد بدأ ينتشر بقوة في بيوت عامة الناس مع نظم توصيل المياه والصرف الصحي في بدايات القرن العشرين.

من أجل كل هذا، وفي عام 2000 بمناسبة الألفية الجديدة، اختارت إحدى المجلات في استطلاع للرأي المرحاض المنزلي كأفضل اختراع في التاريخ، ولعل لهم الحق في ذلك!

 

التعليقات