رجل شرقي

رجل شرقي
طالما أسعدتني ثقة المحيطين بي عندما يلقون ما في قلوبهم من هموم وشكوى ويطلبون مني المشورة رغم ما هو متعارف عني بأنني دائما صامتة لا تجدي نصائحي بأي فائدة، ولأنني من أولئك الذين يتقمصون الحالة ويبكون مع صاحبها.
هذا ما دفع أحد أصدقائي المقربين أن يتصل بي أثناء رحلته إلى ميونخ بعد خمس سنوات من التردد ليحكي لي عن دوافعه نحو السفر، كنت مشدوهة وأنا أنصت له غير مصدقة لما يحكيه لولا أنني أعرفه جيدا، فقد سافر هذا الشاب لقضاء مهمة عمل وكانت الرحلة بمثابة فرصة لزيارة صديقته الألمانية التي وعدته بأن تسانده في رحلته ان احتاج شيئا.
 كان يحبها منذ أعوام لكنه لم يعترف إليها  بحبه احتراما لزوجته وتقديرا للصديقة التي يرى أنها تستحق الأفضل، ولأنه كما قال لي يرفض عقلية الرجل الشرقي الذي يلهث دائما خلف الأنثى ليروي ظمأه ورغباته المكبوتة.
صديقته تلك تنحدر من أصول روسية فقد كان لديها بعض الحس العاطفي الدافىء استضافته في منزل أسرتها الذين رحبوا به وأخذت هي تعد له الطعام، والكعك بينما احتوته العائلة فرحين على غير عادة الأوروبيين. ولأن صديقته احترمت عهد صداقتهما منذ 5 أعوام فلم تتركه يتجول في البلاد وحيدا فاصطحبته في أحد الأيام ليتجولا قليلا بين الغابات حتى ضلا الطريق فجلسا مختبئين بين أحراش الغابة تحيطهما الشلالات حتى غابت الشمس وشعر هو بالخوف فاحتضنته صديقته كي يهدأ حتى اطمأنت بأنه مستكين فأخذت تربت على رأسه ولم تكن تعلم بأنها فتحت الباب للعذاب كي يكسرهما.
شعر صديقي بأنه ضعيف جدا وضئيل للغاية لم يستطع أن يمنع نفسه من أن يطبع قبلته الأولى على شفتيها، أفاقه من سكرته شعوره بأنها ترتجف وتتراجع فتوقف دون أن تمنعه، وتذكر أنه لم يأت ليفعل هذا وشعر بوخز في ضميره وندم في نفس اللحظة وانتظر نور الصباح فأخذها تحت ذراعه يتمشيا صامتين حتى  اعترفت له بالحب لأول مرة، لكن هذا لم يغير شيئا ولم يدفعه لأن يستأنف ما كان يفعله، لقد سكبت البنزين على النار باعترافها فتركها تعود إلى منزلها وظل هائما على وجهه في المدن الأوروبية واتصل بي يبكي.
فاجأني حينما طلب مني أن يعترف بكارثة ارتكبها ولم يجد شخصا غيري يمكن أن يحكي له ، كان يبكي بحرقة كالأطفال شعرت بالقلق نحوه وحرصت على أن استمع إليه كنت أظن أنه خالف القوانين، أو ألقي به في غياهب السجون لسبب ما، أو أن أحد المصائب حلت بأسرته لا قدر الله،  كنت أنتظر النهاية لكن كل ما في الأمر أنه شعر بوخز الضمير، ندم لأنه فكر في أن يأخذ لنفسه لحظات من المتعة ليست من حقه، وقال لي الآن لن تفهم حبيبتي أن حبي لها ليس وليد لحظات الوحدة والتيه في السفر، ستفهم بأنني مثل كل رجل شرقي واتته الفرصة ليلتهمها دون رحمة ويتركها ويمضي.
كان صديقي يشعر بالعذاب، لقد أحب الفتاة وأحبته وتعاهدا على يبتعدا بعد هذا الموقف حتى لا يهدما بيوتا أخرى، ولأن الحب لا يُبنى فوق أنقاض البيوت.
ليلة كاملة أمضاها وهو يتقلب في فراشه وجعا كنت معه على الهاتف لحظة بلحظة أشهد تلك الليلة الأليمة، لم أعهد رجلا يفكر بتلك الطريقة كل بضع دقائق أتلقى اتصالا منه، يسألني ماذا لو لم أفعل، هل أنا مجرم، أنا رجل غير صالح، لماذا فعلت، هل كنت مخطئا حينما التقيت بها؟
وفي اليوم الثاني فوجئت برسالة بعد الظهر، صورة الموناليزا من متحف اللوفر، ثم صورة أخرى لجدتي- إحدى المومياوات الفرعونيات- لقد انتقل إلى باريس في رحلة طوال الليل ثم اشترى خطا للهاتف المحمول من فرنسا واتصل بي مرة أخرى أخبرني بأن حبيبته عادت إلى منزلها، وقال لي إنه حزين فقاطعته بطلبي الغريب، لماذا لا نتجول سويا؟
استغرب طلبي لكنه راق له، وبالفعل اصطحبني صديقي في رحلته بعد أن استأجر دراجة هوائية وأنا على الهاتف أحدثه من مصر.
 أخذ صوتي معه نحو برج إيفل، وأخبرني بأن صوتي الآن يدوي في ساحة البرج  وبأن هناك احتفالا سيبدأ بعد قليل ويستعدون لإطلاق الألعاب النارية، ثم أخذ يلتقط الصور ويرسلها لي، بعد قليل اتصل بي مرة أخرى يخبرني بأنه التقى ببائع الشيش طاوق، ثم طلبت منه أن يتجه نحو المولان روج، طالما تمنيت أن أعرف ما يدور هناك،  كانت الحياة في عاصمة النور مبهجة كما حكى لي، لقد شعرت بأنني 
سافرت بالفعل، كان بارعا في الوصف والحكي.
انتهت الرحلة، وشعرت بالاطمئنان  صديقي الآن في حالة جيدة، تركته يستأنف رحلته على الدراجة الهوائية بأمان، كنت سعيدة باحترامه 
لزوجته وتقديره لحبيبته، إنه رجل شرقي يقدر المرأة ويقدر الحب.
التعليقات