ممنوع ممنوع ممنوع!

ممنوع ممنوع ممنوع!

لازلت أتذكر الضجة الكبرى التي صاحبت ظهور الفياجرا للمرة الأولى في العالم. كانت أخبارها ملء السمع والبصر في كل مكان. مقالات في الجرائد وتحليلات في المجلات وأبحاث في الدوريات.

لازلت أتذكر أيضا رد فعل الدولة المصرية الفوري على هذا الأمر، إذ تم إصدار قرار بمنع تداول الفياجرا في مصر! كانت الحجة التي أصدروا بها القرار هي أن الأبحاث التي صدر بموجبها الدواء أجريت على أشخاص أمريكيين، وقالت وزارة الصحة لدينا أنها يجب أن تعيد الأبحاث على أشخاص مصريين لتتأكد من فعالية الدواء لأن هناك فروقا جينية بين الأمريكيين والمصريين!

كنت وقتها طالبا في كلية الصيدلة، وقد فكرت في نفسي: إذا كانت أبحاث الأدوية تجرى أصلا على الفئران والقرود والخنازير والأرانب، فهل الفروق الجينية بين الإنسان المصري والإنسان الأمريكي أكبر من الفروق الجينية بين الإنسان وهذه الحيوانات؟!

مضت سنوات وتم التصريح أخيرا للفياجرا بالبيع في مصر، بعد أن حقق المهربون أرباحا طائلة من ورائها، والغريب أنها كانت تدخل بكميات هائلة إلى البلاد، مما يوحي بعملية غض بصر كبيرة من السلطات عن المهربين، أو ربما لتشابك المصالح المشتركة.

 

عام 1997 حدثت ضجة كبرى أخرى عند نجاح استنساخ النعجة دوللي (كانت النعجة قد ولدت عام 1996، لكن لم يتم الإعلان عن الكشف إلا في العالم التالي). إنجاز علمي باهر وغير مسبوق ويحدث للمرة الأولى في التاريخ. لكن ماذا كان رد الفعل في مصر على هذا الإنجاز؟ هل زاد الاهتمام بالعلوم؟ هل تحمس الناس مثلا لفهم كيف حدث هذا أو ماذا يعني؟ لا! لقد صدرت فتوى دينية بحرمانية الاستنساخ! ثم صدر بعدها قرار حكومي بمنع الاستنساخ في مصر! قرار مضحك جدا في الحقيقة أن يصدر في بلد متدنية في المعرفة العلمية والتقنية، وكأن الطلبة فيها يستنسخون الحيوانات في معامل المدرسة فقررت إيقاف ذلك لمنع هذه الفوضى!

رد الفعل الأوّلي على أي شيء أو أي حدث هو المنع.

دعنا نتذكر أيضا أن أجهزة الأمن منعت استخدام الهواتف المحمولة التي تحتوي على شريحة تحديد المواقع GPS في مصر لفترة طويلة، وعندما صارت هذه الخاصية قياسية في معظم الهواتف الحديثة، صارت الشركات تقوم بإلغاء الخاصية في هواتفها التي تباع في مصر حتى يتم السماح بتداولها، حتى أننا كنا واحدة من ثلاث دول في العالم تمنع مواطنيها من الاستفادة من هذه الخدمة المفيدة. الدولتان الأخريان هما سوريا وكوريا الشمالية! أخيرا في إبريل 2009، وبعد شكاوى عديدة من الشركات، تم السماح بتداول هذه الهواتف بشرط قيام البائع بإرسال صورة من بطاقة الرقم القومي لكل شخص يشتري هاتفا يحتوي على هذه الخدمة وإرسال الصورة مع الرقم المسلسل للجهاز المشترى إلى أجهزة الأمن! بالطبع تم تنفيذ هذا القرار لفترة قصيرة ثم تم تجاهله مثل غيره من القرارات غير المنطقية.

 

رغم أن القاعدة الفقهية تقول أن الأصل في الأمور الإباحة، إلا أن الأصل في جميع الأمور في مصر هو المنع، وأحيانا يكون المنع بواسطة عرف وليس قانون. هناك مثلا حظر على الدرونات (الطائرات اللاسلكية الصغيرة ذات الكاميرات والتي تعمل بالريموت كونترول)، حتى أن كل من يضبط ومعه درون يتم القبض عليه وتدبّج له قضية تجسس! رغم أن هذه الدرونات تباع جهارا نهارا في دول عربية أخرى كثيرة يحلو لنا أن ننعتها بالدول الرجعية. هناك أيضا حظر أمني على استخدام التليسكوبات الفلكية! هناك شباب قبض عليهم في مترو الأنفاق لحيازتهم ميكروسكوبات! انظر أيضا إلى ما يحصل لكل من يضبط ومعه كاميرا في الشارع، رغم أنه لا يوجد قانون يمنع التصوير في الشارع إلا أن هناك عشرات في السجون بسبب قيامهم بالتصوير.

هناك قوانين منع عجيبة ولا نصيب لها من أي منطق، مثل منع دخول الموتوسيكلات وسيارات الدفع الرباعي إلى سيناء! قانون عجيب يمنع ركوب أي شخص على الموتوسيكل بخلاف السائق! منع مكالمات الواتسآب (أما الفايبر الذي يقولون أنه صناعة إسرائيلية فمكالماته تعمل بشكل عادي!). منع سفر جميع طلبة المدارس والجامعات في مصر من السفر إلا بشروط خاصة وبإذن من الجيش! والعجيب أن القرار شفاهي غير مكتوب! منع السفر لدول عديدة إلا بتصريح من مكتب أمن الدولة في مجمع التحرير! أما إذا كنت في الخارج ولك أنشطة أو آراء سياسية لا تعجب السفارات المصرية التي تقوم بمراقبتك هناك، فإنك تمنع من دخول بلدك مثلما حدث مع الدكتور عاطف بطرس الذي أبلغ بمنعه (نهائيا) من دخول مصر، في عودة لعقوبة النفي التي كانت تمارس في القرن التاسع عشر.

 

هذا ناهيك عن قرارات حظر النشر في أي موضوع مثر للجدل، والتضييق على الأبحاث العلمية والدراسات الاجتماعية إذ لا يمكن إجراء أي بحث دون موافقات أمنية، وعشرات الأمثلة التي لن تنتهي إذ قررنا سردها.

يمكننا الآن أن نتحسر على بلدنا التي كانت منفتحة إلى حد كبير جدا في عصور سابقة، عصور لم تتحكم فيها الاجهزة الأمنية في أدق دقائق حياتنا، عصور جعلت مصر ثاني دولة في العالم تبني السكك الحديدية، وثاني دولة في العالم تدخلها السينما. مصر التي بدأت في إنشاء خطوط التلغراف في عهد سعيد باشا، وأدخلت الترام في 1896، وأقامت مهرجانا للطيران عام 1910، ودخلتها السيارات عام 1890.

مصر التي كانت تعشق كل جديد صارت الآن منغلقة على نفسها، منطوية، محظورة، حزينة.

ولازال الشيخ إمام يصدح بكلمات أحمد فؤاد نجم بلا توقف:

ممنوع من السفر..

ممنوع من الغنا..

ممنوع من الكلام..

ممنوع من الاشتياق..

ممنوع من الاستياء..

ممنوع من الابتسام..

وكل يوم في حبك..

تزيد الممنوعات..

التعليقات