عرفت الآن أين ذهبت كل النكات؟

عرفت الآن أين ذهبت كل النكات؟

تعجبت كثيراً بعد ثورة يناير أين ذهبت كل النكات التى كنا نتناقلها شفويا؟ أتذكر أبى وانا طفلة وحتى غادرت بيته العامر للزواج ( كنتى فين يا لأ لما قلت انا آه!) وهى يلقى علينا نكتة جديدة شبه يومية على الغذاء، الكثير منها كانت نكات سياسية على مبارك ذاته فى عز سلطانه وهيمنته، وبعضها كان من النوع الحساس الذى يستوجب الرقابة فكان يتحايل عليها ويحاول التغيير منها بما لايضر ومحتواها الفكاهى ووقعها الكوميدى. وانتقل دور ناقل النكات الى زوجى الذى كان يبث لى ما يصله من نكات ( بلا رقابة ولا تحوير، كبرت بقى !) والتى غالباً ما كانت ترِده من مكان عمله أو من على القهوة. وحتى قبل الثورة بسنوات كنا نتبادل النكات كرسائل على المحمول أوفى بداية يوم العمل لكسر الجليد و للترويح عن الذات. 
لكن شيئاً ما تغير بعد الثورة. ظلت النكات على حالها لكن تقلصت النكتة الشفوية الى حد كبير و نشأ نوع جديد من النكات يستفيد من تكنولوجيا الجرافيك وإمكانات مواقع التواصل الاجتماعى فأصبحت النكتة بصرية ولغوية وخٌلقت شخصيات جديدة مثل "أساحبى" و " الضفدع كيرميت" و شخصيات "ورقة" وغيرها وأذهلنا المسئولون عنها بما لديهم من خفة دم وفهم حقيقى لتفاصيل الحياة اليومية فى البيت المصرى المتوسط وكيف تتقاطع كل التفاصيل مع السياسة والاقتصاد لتقدم لنا منتجات جديرة بالدراسة والتحليل والتوثيق، منتجات اقل ما يٌقال عنها انها إفرازات من غدد خاصة بالمصريين زودهم الله بها ليتحملوا كفاح الحياة اليومية منذ آلاف السنين.
وفى يوم 15 يوليو حين تواردت لنا أنباء الانقلاب العسكرى التركى الذى لم يتجاوز عدة ساعات وأٌعلن فشله، جاءتنى فكرة قد تجيب على سؤالى الأول حول النكات وأين ذهبت بعد ثورة 25 يناير. حدثت ثورة أخرى فى مواقع التواصل الاجتماعى المصرى، وتكاثفت المنشورات بشكل تاريخى ومعها التعليقات. كان هنك من يؤيد، وهناك من يشجب، وهناك من يحاول التحليل وهناك من يتعقل، وهناك من يفتى وهناك من يهرى لكن السمة الأوضح كانت الفكاهة، والنكات سريعة البديهة التى لاتخطر على بال تتساقط كالمطر.هنا وقفت أشاهد وأشارك ( فى الفتى والهرى زى كل الناس!)  وأضحك وأفكر وأستدعى كل الأحداث التى فجرت تلك المواقع من قبل وجعلتنا نضحك فى قلب المآسى مثل المجانين أو مهرجين المسرحيات الإغريقية والشكسبيرية. لعل الانقلاب التركى كان أعظم هذه الحوادث حتى الآن، فقد فجر فينا مشاعر مكبوتة من الشماتة والفرحة والمساواة ( مع دولة استعبدتنا قرون طويلة)  ثم الحزن وقلة الحيلة والاحباط وكذلك الخوف حين بات واضحاً ان الانقلاب قد فشل. وربما لم يكن ليعنينا الأمر التركى لهذه الدرجة لولا تماس السياسة التركية مع الأحداث فى مصر فى السنوات الأخيرة، والشماتة الخفية أوالظاهرة التى وصلتنا منهم تعقيباً على اخفاقات ما يسمونه بالانقلاب المصرى.
هكذا، وكأن مواقع التواصل الاجتماعى وأشهرها الفيسبوك صارت فضاءً نحتله ونشغله عوضاً عن الحيز الحقيقى الذى كان متاحاً لنا من قبل على أرض الواقع، لكنه فضاء يتميز بسرعة النقل والمشاركة وتنوع الامكانات ومرونة الاستيعاب. سحب هذا الفضاء الجديد من أرض الواقع بلاشك، فظننا ان النكات قد اختفت بينما لم تختفِ وإنما تغير شكلها وفضاؤها. 
نزل الكثيرون من الشعب التركى لدعم اردوجان حفاظا على الشرعية والديموقراطية وتمسكا بمكتسباته الاوروبية ولاى أسباب اخرى. خطوة أخذها شعب فى توقيت معين بحسابات هذا التوقيت، قد تثبت له الأيام صحتها أو خطاها أوببساطة ضرورتها. وكذلك نزل الشعب المصرى يثور على محمد مرسى حفاظا على الهوية (وقرفا منه ومن عشيرته) ولأى اسباب اخرى وكانت خطوة تم اتخاذها بحسابات معينة فى لحظة معينة وأثبتت الأيام ضرورتها وقتها وانحراف مسارها بعدها. لاتستطيع الشعوب، عموم الشعوب أعنى، (انا وأنت وعم فتحى وأم سيد وأبو هلال وصابحة وزينب وكارولين وهايدى وغيرهم ) أن تضمن القادم بدقة، ما تستطيع ان تعول عليه الشعوب دائماً هو أن حياتها ستستمر، أغلب الظن على نفس الوتيرة، ببعض المكتسبات أو بمزيد من الخسائر، فى صورة صراع يومى مع لقمة العيش وكوب الشاى وبعض من أى متعة، إحدى هذه المتع النكات.

 

التعليقات