تأملات مسيحية في الأجواء الرمضانية!

تأملات مسيحية في الأجواء الرمضانية!

كشخص مسيحي، لا أنكر أنني استفدت كثيرا من شهر رمضان في فترات عديدة من حياتي.
إنه الشهر الذي يقل فيه زمن الحصة في المدرسة من خمسة وأربعين دقيقة إلى ثلاثين فقط. نعود إلى البيت مبكرا وننتهي من الاستذكار مبكرا لنشاهد ما لذ وطاب من المسلسلات والبرامج. إنه الشهر الذي يكثر غياب المدرسين فيه فنحصل على الكثير من الحصص "الاحتياطي". إنه الشهر الذي يتعمّد فيه المدرس أحيانا وضع امتحانات سهلة ليكسب ثوابا فينا نحن الطلبة المساكين الحيارى بين قوانين نيوتن ومثلثات فيثاغورث.
في رمضان وعندما كنت أعمل في وظيفة حكومية، كنت أغادر الوحدة الصحية في الواحدة بدلا من الثانية ظهرا بينما أتقاضى نفس المرتب، وفي يوم الأحد يُسمح لي بساعة تأخير أخرى في الصباح بحجة الذهاب إلى الكنيسة، فيصبح يوما جميلا لا يصدق!
كمسيحي يمكنني أن أستغل دائما أوقات ضرب المدفع حين تخلو الشوارع تماما من السيارات لأصل إلى أي مكان بسرعة خارقة. لكن هناك مشكلة دائما ما تصادفني عندما أرغب في استغلال هذه الميزة، ألا وهي: إلى أين أذهب وكل مكان يكون مغلقا في هذا الوقت؟!
كبرت ولم أعد أستفيد كثيرا من رمضان. تركت المدرسة وتركت العمل الحكومي الجميل وصرتُ أعمل في القطاع الخاص، وحيث أن صاحب العمل مسيحي أيضا لم أعد أحصل على أية ميزات في رمضان بل صرت أعمل في أوقات ضرب المدفع وفي أيام الأعياد الإسلامية كلها! أجلس على المكتب وأشاهد الأطفال وهم يلهون في الشوارع بملابس العيد الجديدة عبر زجاج الصيدلية!
ثم كرهت مسلسلات التليفزيون وبرامجه وصرت أرى فيها مثالا مجسدا للسخف والبلاهة. وزاد عدد السيارات وعدد العباد في البلاد وأصبحت شوارعها مسدودة ليلا ونهارا مع انسدادات خاصة "سبيشيال" في رمضان، فصار الذهاب إلى أي مكان في هذا الشهر أمر بالغ الصعوبة، أضف إلى هذا الانفلات التام لأعصاب السائقين قبل وقت الإفطار، الأمر الذي يؤدي إلى العديد من التشاحنات في الشوارع بين سائقين صائمين لا يريدون أن يخسروا صيامهم بإطلاق السباب فيلجئون إلى الضرب بالأيدي والأرجل!
ارتفاع مذهل في أسعار السلع الغذائية في بداية الشهر الكريم مع انسداد مزمن لممرات أي سوبرماركت أو هايبرماركت بالمشترين، مع كل هذه الحلوى والمكسرات التي تظهر فجأة من العدم في الأسواق لتساهم في تضخم حجم الكروش والأجناب! ومع ذلك لم يعد الطعم هو الطعم، وحتى الفوانيس التقليدية الرائعة تحولت إلى بلاستيك يأتي من الصين وتغني بالبطارية.
وبدأت أجد معاناة حقيقية في رمضان بعدما كنت أجدها ميزة عندما كنتُ موظفا حكوميا: لا يمكنني أن أنجز أي شيء له علاقة بأي جهة حكومية في رمضان. الموظف يأتي متأخرا ويذهب مبكرا وقد لا يأتي على الإطلاق. كل سنة وانت طيب رمضان بقى. فإذا كانت لديك مهمة ملحة وفاتك إنجازها قبل رمضان عليها أن تنتظر إلى أن يمر رمضان ثم تمر أيام العيد ثم يمر ما يسميه المصريون بـ"قفا العيد"، أي الأيام التي تلي العيد وهي أيام لا عمل فيها أيضا إذ يغيب فيها كثير من الموظفين الذين "يلضمون" إجازات العيد مع إجازاتهم الاعتيادية ليحصلوا على إجازة أطول.
يمنحني رمضان أيضا فرصة للتأمل ومشاهدة موجات لبس الحجاب وتربية الذقون مع بداية الشهر الفضيل، ثم خلع الحجاب وحلق الذقون مع نهاية الشهر. تأمل الرءوس المصدعة المحتاجة إلى السجائر والأعصاب المنفلتة للغاضبين الممتنعين عن السباب فتخرج منهم عبارات غريبة ملتبسة وملتوية عندما يتشاجرون! يمنحني الشهر أيضا فرصة لحضور بعض العزومات العظيمة التي لا تتكرر في أوقات السنة الأخرى!
ربما تختلف نظرتنا للأمور كلما تقدمنا في السن، فتتحول قلة العمل وكثرة الطعام التي كنا نراها مزية إلى عيب، لكن يظل رمضان شهرا عزيزا وخاصا جدا في حياة كل واحد منا في مصر مهما كانت ديانته.
كل عام وأنتم بخير.

التعليقات